المشاركات

أبو حماد..كفر حافظ..5

أبو حماد.. كفر حافظ.. "تدوينة مجمعة ممتدة من 6 – 3 – 2015 وحتى 16- 3 – 2015" 6 – 3 – 2010 في هذا اليوم..يدخل إلي رجل طاعن في السن..بكيس بلاستيكي ملفوف على مجموعة من الورق.. يتوكأ على عصا خشبية.. قدم لي الورقة..والكيس الملفوف..فساعدته على الجلوس..وأخذت أقرأ.. طلب مساعدة.. كان طلب مساعدة لصرف معاش شهري من مديرية التضامن الاجتماعي.. مجرد بضعة أوراق مالية ستكون كافية بالكاد لسد رمقه، بخبز مدعوم.. يحكي الرجل بمرارة –وكأننا في فيلم عربي مبتذل- عن أولاده الذين علمهم أحسن تعليم..المهندس والمدرس..وبناته اللاتي زوجهن..يحكي عن المعاملة القاسية..يحكي عن استنكافهم منه..يحكي عن ازدرائهم له.. أفكر أن الرجل ربما يصطنع ذاكرة أخرى لم تحدث أصلا..ربما لديه خلل ما في قدرته على الاستيعاب.. في النهاية أيا ماكان السبب.. النتيجة أننا في دولة فيها شيخ طاعن في السن..يستجدي قوت يومه.. يقول الرجل في مرارة: "سيسقيهم أبناؤهم من ذات الكأس يوما.." أفكر..لأي درجة احتمل هذا الرجل المكلوم في أبنائه..حتى فاضت روحه بمثل تلك الآلام.. أنظر في الورقة الخالية من أي شيء.. لا اسم..لا عنوا...

الخروج..2

أرغب في إنهاء صفحة التكليف هذه بأسرع وقت ممكن.. اليوم مضى على هذه الكلمات التي أكتبها هنا مايقرب من خمس سنوات.. أي أنني متأخرا عن التدوين اليومي خمس سنوات كاملة..!! يعود ذلك لانشغالي مؤخرا في أشياء كثيرة.. وبرغم أكوام الورق التي أقوم بكتابتها بيدي..إلإ أنني أتأخر كثيرا في رفعها هنا.. لذلك قررت أن أضع ماتبقى من تدوينات عن التكليف في تدوينة واحدة.. أتبعها بتدوينة أخرى من الصور والفيديوهات التي سأرفعها عن الوحدات التي خدمت الوطن فيها.. ثم سأنتقل بعد ذلك لمرحلة النيابة.. نيابة الطب النفسي بمستشفى العباسية..

أبو حماد..كفر حافظ..4

أبو حماد.. وحدة كفر حافظ.. 3 – 3 – 2010  -  12:30 ظهراً.. مديرية الصحة بالزقازيق..الإدارة الصحية بأبو حماد.. ثم أخيرا الوحدة الصحية بكفر حافظ.. فلهذا سبب وجيه.. **-* بالأمس كنت أرتجف من الانفعال.. رباه..أخيرا ظهرت نتيجة النيابات.. أخيرا..ظهرت القوائم وتم إعلانها على موقع الوزارة.. أخيرا يا صديقي سأخرج من هنا.. أنظر لشاشة الكمبيوتر بسعادة بالغة.. لا أتمالك نفسي.. أقف..أتحرك بسرعة..أعود لأجلس على مقعدي..أقف مرة أخرى..أنزل للدور السفلي..يسألونني عما حدث لي..ولا أجيب إلا بابتسامة كبيرة.. يضربون كفا بكف حين يعرفون السبب.. لا أهتم.. أنا على وشك انهاء مرحلة في حياتي وبدء مرحلة جديدة.. أنا قُبلت بنيابة الأمراض النفسية والعصبية بمستشفى العباسية للصحة النفسية.. أنا قُبلت بالرغبة الأولى للتخصص الذي اخترته..والرغبة الأولى بالمكان الذي اخترته أيضا.. يارب لك الحمد والشكر.. يارب لك الحمد والشكر.. *-*-* أذهب للمديرية وأتساءل عن ماذا بعد.. يخبرونني أنه يمكنني الإخلاء فورا دون الحاجة لاستكمال السنة الأولى للتكليف.. "في تلك الأيام السعيدة..كان حاتم الجبلي قد أصدر قر...

أبو حماد..كفرحافظ..3

أبو حماد.. كفر حافظ.. 1 - 3 - 2010  10:30 صباحا.. اليوم يبدأ بداية عجيبة.. أفكر في هذا وأنا أتشبث بكلتا يدي على الحافة الخلفية للسيارة النصف نقل.. وأتمنى الا أنزلق..!! *-*-* لسبب ما..لا أجد سيارة تقلني لوحدة بعد وصولي لمدينة أبو حماد.. لا توجد أي سيارات فارغة أو حتى ممتلئة.. أسأل..يخبرني احدهم عن أن هناك سوق اليوم..أو ما يشبه ذلك.. ثم أجد سيارة أخيرا.. هناك..في آخر صف للسيارات..لكنها –وياللهول- لا يوجد فيها موطئا لقدم حرفيا إلا على إفريزها الخلفي.. في النهاية..وبعد تفكير سريع..ألحق بموطء القدم هذا.. إذ ربما..لا يتاح لي فرصة أخرى.. *-*-* أنا "متشعبط".. هذه حقيقة لا شك فيها.. وهذه ليست المرة الأولى.. هذه حقيقة أخرى لاشك فيها.. لكنني لست مستاء.. هناك شيء آخر لا أدري كنهه.. أقف على الإفريز الخلفي والهواء يضرب وجهي بقوة.. لكني أبتسم.. لازلت أذكر حتى اليوم شكلي كما أتصوره.. البلوفر ذو اللون الأزرق الفاتح..البنطلون الجينز..الجاكت..والحقيبة المعلقة على كتفي.. الوضع مزري..هذا صحيح..أنا طبيب..وأتعلق بحافة سيارة نصف نقل خلفية حتى أصل للوحدة التي أعمل بها..لك...

أبو حماد..كفر حافظ..2

أبو حماد.. كفر حافظ.. 28 – 2 – 2010   -  1:00 ظهرا.. في الطريق الطويل الذي أسير فيه نحو الوحدة.. طريق طويل ملتوي.. لكنني أمشي مبتسما برغم كل شيء.. *-*-* أرمق ماحولي وابتسامتي معلقة بوجهي.. أرمق البيوت الصغيرة ذات الارتفاعات المنخفضة..وأرقب السور الطيني الواطيء الذي يحيط بها.. أرمق المجرى المائي الضيق الي يسير بمحاذاة الطريق.. هناك شيء من الصفاء يشمل هذا المكان.. ربما هي الأرض الخضراء الممتدة طويلا..ربما هو الهدوء الذي يعم المكان.. أيا كان الأمر.. فأنا أسير وسط سلام لا نهائي.. *-*-* مالذي حدث ليتغير كل شيء بهذه الصورة..؟ مالذي حدث لأرى صورة أخرى مغايرة لوضع مقيت سابق..؟ هل تغيرت أنا..؟ لا أعتقد ذلك يا صديقي.. فأنا كما أنا..طبيب تكليف شاب يهوى الأخطاء..ويجمعها في كتاب سيطلق عليه اسما موحيا فيما بعد.. هل هم الناس..؟ ربما.. ألحظ هنا قدرا من الوداعة والطيبة لم أرهما هناك.. حتى العاملون بالوحدة.. ربما أستقبل الممرضات والكتبة هنا بعين أخرى أكثر صفاء..ربما هناك تلك الراحة النفسية التي تنعكس من داخلي على ما حولي.. هل هو المكان..؟ ربما..أغلب الظن أن هذ...

أبو حماد..كفر حافظ..1

أبوحماد.. كفر حافظ.. 27 – 2 – 2010  -  1:00 ظهرا.. أنزل من البيت.. أتحرك باتجاه موقف سيارات الأجرة..أركب ميكروباص..يتهادى في الطريق..نصل.. أهبط..أسأل عن الطريق لكفرحافظ..يأخذني سائق توك توك إلى موقف سيارات آخر..هناك لا يوجد سوى سيارات النقل ذات الغطاء الحديدي على صندوقها الخلفي..وقطعتي الخشب المتيقابلتين اللتان تجعلانك تجلس محشورا بين آخرين على أحدهما..في حين يقابلك شخص محشور آخر بوجهك..وتدعو الله أن يمر الأمر بسلام.. تخبر السائق بوجهتك..تخفي هويتك في خجل..لا زلت تتمتع ببعض احترام لنفسك..وهذا خطر..هذا خطر يا صديقي.. ينقبض قلبي مرة أخرى..الطريق لا يبشر بالخير..منحنيات خلف منحنيات..وطريق يؤدي لطريق..هناك تلك الحدائق التي سمعت عنها من صديقي من تلك المدينة قبلا..حدائق المانجو ذات السور الواطيء..والتي تنتصب بها أشجار سامقة..أسمع أزيز مستمر لا أدري كنهه.. ثم هناك..على البعد..ألمح مكونات ما..تشبه الألعاب العسكرية التي رأيتها في التلفاز..ثم ألمح الطائرات المروحية.. أتطلع لتلك الثكنة العسكرية بفضول.. إذن..هذا حقيقي..هناك مطار هنا.. وفي منحنى ما..يقترب السور بشدة..سور معدني...

أبو حماد..الإدارة الصحية..

أبو حماد.. الإدارة اصحية.. 24 – 2 – 2010  - 11:30 ظهرا.. أمشي ببطء شديد..أتامل ملامح كل شيء من حولي.. هناك شيء مختلف بالتأكيد.. *-*-* منذ بداية الطريق في الزقازيق..من الموقف الذي يقع في منطقة الزراعة وأنا أمني نفسي بأحلام وردية عما سألقاه هناك.. ربما يعوضني الله بشكل أوبآخر في الأيام الأخيرة لي في التكليف..وأنا على وشك انهاء خدمتي الإجبارية للوطن.. أركب الميكروباص المتهالك بعض الشيء..يبدأ الحركة.. أتأمل في الطريق الطويل الزراعي الذي يمتد لأفق بعيد.. هو طريق ضيق..لكنه ممهد بشكل أكبر عن ذلك الطريق المقيت المؤدي للمدينة الملعونة.. لم أمكث بهذا التأمل طويلا..لأننا وصلنا..! أنظر لساعتي مندهشا..ثلث ساعة فقط..!! أهبط من السيارة وأنا لازلت أحمل علامات الدهشة..أسأل أحد المارة عن الإدارة الصحية..فيشير لي بعبور كوبري فوق ترعة ضيقة ما.. أعبر..أجد نفسي أمام مجمع خدمات حكومية.. أسأل مجددا..يشيرون لي بالأعلى.. أصعد سلالم متهالكة..للمرة الأولى ينقبض قلبي.. يبدو أنني أقترب من ذات الجحيم.. في النهاية أصل للدور المنشود.. أتوقف لألتقط أنفاسي.. ثم أبدأ مشوار الاستلام إياه.. *-*-*...

الزقازيق..مديرية الصحة..مابين قوسين..

الزقازيق.. مديرية الصحة.. 26 – 2 – 2010  -  11:00 صباحا.. أشعر بالفراغ..لا منتمِ لأي مكان.. وهو شعور رائع لو أردت رأيي.. *-*-* ذلك الشعور الذي أحسسته عقب انتهاء سنوات دراستي بالكلية..في السنة السادسة.. يختلف الأمر عن باقي السنين الفائتة.. هذه السنة الأخيرة بنهايتها..انتهت مرحلة ما في حياتك..هذا مكان لن تعود إليه مجددا.. نفس الشيء ينطبق عقب انتهاء سنة الامتياز..مرحلة من الفراغ واللا انتماء لأي شيء.. اليوم..وأنا في المديرية..أخذ ذلك الشعور يرواودني بقوة.. أنا حر.. أنا فعلا حر الآن يا صديقي.. *-*-* في النهاية أتغلب على كل هذه الأفكار.. أمد الحرية ليس طويلا.. أصعد للسيدة في المكتب الخاص بالتكليف في الدور الثاني.. أقوم بتسليمها ورقة إخلاء الطرف..ببقايا النسر في ختمها باللون الأزرق.. أنتظر تأشيرة منها لأبدأ رحلتي الجديدة في الجزء الثاني من التكليف.. الرحلة إلى حيث إدارة أبو حماد.. تسالني السيدة في معرض حديثها عن سبب انتقالي من هناك.. أخبرها بشكل عام عن بعض المآسي التي شهدتها هناك.. أختم قولي بأنها كانت إدارة سيئة.. "ياه..تلك الأيام..!! سيئة هذه كانت من أ...

مشتول السوق..الخلاص..الجزء الثاني والأخير..

فقط..الشيء المقيت الذي حدث في النهاية.. تلك الاستقطاعت التي كان يجب علي تسديدها قبل انهاء آخر ورقة.. مبالغ بعدة مئات..بعد خصم مئات أخرى من راتبي..الحقيقة أنه تم خصمه بأكمله.. لا بد أنهم كانوا يتساءلون عن أي مجنون كنته لأفقد كل هذه المئات بهذه السهولة.. ولربما تصوروا أنني مثل آخرين..أفقد هذه المئات لأنني أحصل أضعافها في أماكن أخرى.. لا بأس.. أنا لازلت مبتسما.. حتى وأنا افرغ جيوبي كلها أمام الموظف.. حتى وأنا أتلقى عرضا بالمساعدة في صورة مائتي جنيه قرضا من أحدهم.. أبتسم..لهذا الحد..؟ لكن الله كريم كما هو دوما.. أنهي دفع كل المبالغ التي علي بدون الاضطرار للجوء لأي أحد.. لا بد أن أحصل على الورقة اليوم بأي حال.. أنهي كل شيء.. أنهي كل شيء أخيرا.. أخذ الورقة التي نقش عليها رسم النسر الباهت.. حتى أنت ايها المسكين.. لا بأس.. أهبط السلالم للمرة الأخيرة..أخرج من البوابة الواطئة للمرة الأخيرة.. أقف أمام المبنى الحكومي القذر للمرة الآخيرة.. ىخذ نفسا عميقا.. كل سباب الدنيا لن ينقضي.. اللعنة عليكم.. اللعنة عليكم وعلى كل لحظة قضيتها في مكان مقيت كهذا للحظة واحدة.. اللعنة عليكم...

مشتول السوق..الخلاص..الجزء الأول..

مشتول السوق.. الأيام الأخيرة مابين مديرية الصحة في الزقازيق والإدارة الصحية والوحدة.. ممتدة من يوم 15 فبراير 2010 وحتى يوم إخلاء طرفي من إدارة مشتول السوق في يوم 24 فبراير 2010 أقف أمام مبنى المديرية بجوار مبنى المحافظة.. آخذ شهيقا عميقا.. وألقي بنفسي وسط الداخلين.. *-*-* هل تذكر أيام التكليف الأولى..؟ الأيام العظيمة التي لم تكن تدرك فيها أي شيء..أو معنيا بأي شيء سوى إنهاء أوراق تكليفك واستلامك العمل بالفعل.. إنها الأيام تعود مرة أخرى يا صديقي.. قد مر ما يقرب من العام..أكثر من ثلاثمائة يوم مر عليك في هذا العذاب المقيت.. وها أنذا فقط أهرب من هذا الجحيم لمكان آخر ربما يكون أقل بؤسا.. أبدأ من مكتب مدام فلانة في الطابق الثاني.. آخذ تأشيرة وخطاب لمكتب الأستاذ فلان في الطابق الثالث..وتأشيرة من السيدة مديرة شؤون العاملين في الطابق الثالث أيضا..في المكتب المجاور.. أهبط للأسفل..أتسلم أصل الخطاب..أهبط للدور الأول..اتلقى الخاتم صاحب الشعار الرسمي للدولة.. أتذكر ذلك النسر المصلوب للأبد..؟ نعم..هو ذاك.. مثلك..يتوق لالتقاط حريته.. والذهاب بعيدا.. *-*-* انتهت الدورة الأولى..و...

مشتول السوق..وحدة دهمشا..2

مشتول السوق.. وحدة دهمشا.. 14 – 2 – 2010  -  10:00 صباحا.. أصل للوحدة.. لن أفعل أي شيء اليوم.. فقط سأوقع بالحضور..ثم أكلم زميلي بالوحدة عن سفرية القاهرة للحصول على قرار النقل.. ثم آخذ طريقي للقاهرة.. سفرية طويلة شاقة.. وطريق يشبه السفر عبر الجحيم.. كان بإمكاني أن أذهب مباشرة من الزقازيق للقاهرة..أتخذ طريقا بدون أي توقف.. لكن كل هذا لأنني لا أريد المزيد من المتاعب.. سئمتها يا صديقي..سئمتها وتعبت.. ولأنني قطعت وعدا لزميلي بأني لن أسبب المزيد من المشاكل في هذه المرحلة.. سأترك الأمور تمضي في سلام.. فقط لتتركني في سلام أنا الآخر.. *-*-* أتأخر في الطريق..الساعة الثانية عشر ظهرا..ولم أفعل أي شيء بعد.. اصل لحدود القاهرة..وأبدأ رحلة المترو.. أتمنى من الله أن تكون هذه هي الرحلة الأخيرة لي لهذا المكان.. المرة الفائتة أخبرتني السيدة الموظفة أن أوراقي لم تنتهي بعد.. تخبرني بأسف أن الأوراق في المعتاد لا تأخذ كل هذا الوقت.. أبتسم في مرارة..أبتسم في سخرية..ابتسم بلا أي معنى.. أنا أعرف السبب يا سيدتي الفاضلة.. *-*-* أصل للوزارة أخيرا.. مرهقا..مشعثا.. لو كنت سافرت ...

مشتول السوق..وحدة دهمشا..1

مشتول السوق.. وحدة دهمشا.. 13 – 2 – 2010  -  10:30 صباحا.. في هذه المرة كان الطريق مختصرا للغاية.. حتى أنني سألت نفسي إذا كان ذلك الوغد –مدير الإدارة- يعرف ما يفعله حقا.. *-*-* نعم..أنت قرأتها بشكل صحيح.. قرية "دهمشا".. هذا هو الانتقال الرابع او الخامس..توقفت عن العد يا صديقي حين أدركت أن ذلك لم يعد يجدي نفعا.. ما هو سبب التسمية..؟ لماذا تسال هذا السؤال المقيت كل مرة..؟ ما سبب تسمية قرية المنير بهذا الاسم..هل كان منها أحد رواد النهضة مثلا..؟ ماسبب تسمية قرية الصحافة بهذا الاسم..هل كانت مكان مطبعة الأهرام الكبرى مثلا..؟ ليكن..أنت تدرك سبب تلك التسميات.. لا بد انه كان هناك طبيب شاب ثائر أيام الاحتلال الانجليزي للبلاد..كان يتزعم حركة المقاومة..ويدافع عن حقوق الفلاحين الفقراء..ولابد أن ذلك أقلق راحة مدير الإدارة الانجليزي –الوغد- طبعا..فقرر أن يتتبع أثره..حتى لحقوه في هذه القرية التي لم تكن إلا شيئا بسيطا عبارة عن بيوت طينية يغمرها الفقر طوال عام..حاصروه أخيرا في أحد تك البيوت المطله على ترعة البلدة..إلا أنه تمكن من القفز إلى الترعة ليفر بنفسه..فصاح الفلاحون ف...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..الأخيرة..

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 11 – 2 – 2010  -  11:00 صباحا.. طالت غيبتي هذه المرة.. كنت أظن أني وصلت للحضيض..لكن هناك المزيد دوما.. هذه المرة كسرت الرقم القياسي السابق.. عشرون يوما كاملة.. لك أن تفخر بذلك.. *-*-* ضاعت الأيام الفائتة مابين سفر بلا طائل من ورائه..خلف حلم صار شبيها بالسراب..يلوح لك يا صديقي على غير حقيقته..ألا وهو نقل التكليف لإدارة أخرى.. وما بين أيام أتكاسل فيها عن النهوض..أظل ملازما فراشي بلا أي عمل يذكر..محدقا في السقف..متأملا –كالعادة- في روعته.. صار هدفي في تلك الأيام هو الحصول على تأشيرة السيد وكيل الوزارة المختص بشؤون عمال التراحيل/أطباء التكليف/العبيد..على طلبي المعنون بـ "السيد وكيل الوزارة المبجل..إلخ..إلخ..نقل تكليفي..لإدارة..إلخ..إلخ..حيث سماح المجموع..إلخ..أرجوك..أتوسل إليك..إلخ..إلخ..يتم اضطهادي بقسوة بالغة..مدير الإدارة الوغد..إلخ..إلخ..اللعنة عليكم جميعا..إلخ..إلخ..ثم في النهاية: مقدمه لسيادتكم.المعذب: أ.ص.د." تمضي أيام كهذه..وتمضي أيام كتلك.. وتمضي أيام أخرى طويلة لا أذكر منها أو عنها أي شيء.. إنه السقوط.. السقوط المهين ياصدي...

مشتول السوق..وحدة الصحافة.21

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 17 – 1 – 2010  -  10:00 صباحا.. ادور في فلك الاكتئاب كجسيم فضائي فقد اتجاهه، فصار يتخبط في الفضاء الواسع.. حتى صار ما يرجوه هو الاصطدام بأي كوكب سيار..ثم الفناء.. هذا هو ما أصبحت عليه.. *-*-* عودة بعد مايقرب من عشرة أيام غياب.. تعب..وسفر..ومشقة بالغة..ورغبة لا متناهية في عدم مغادرة السرير.. لم أكن أرد على الاتصالات على هاتفي المحمول.. "هذه الأيام السعيدة التي بدأت تلك العادة في التأصل لدي.." لم يكن لي اي صلة بما يحدث هنا.. عندما عدت..لم أدرك أنه قد فاتني بعض الأشياء المثيرة.. تأمل معي يا صديقي.. جاء تفتيش من الوزارة..ويبدو أنه من توابع زلزال زيارة ذاك المفتش من الجهاز المركزي للمحاسبات.. التفتيش المنتظر الشبيه بمنظر الخاتمة في أي مسلسل قميء.. حيث يلقى الأشرار عقابهم الأسطوري..ويصبح الأنقياء الأخيار سعداء.. ولأن هذا فيلم هابظ للغاية..فلم تكن النهاية لتأتي مغايرة أبدا.. لن يحدث –في الغالب- أي شيء.. بضع جزاءات لبضع عاملين.. ثم ينتهي الأمر.. ألم أقل لك أن الأنقياء سيكونون أسعد حالا بكثير..؟ *-*-* لم يمسني ذلك بسوء على أغل...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..20

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 3 – 1 – 2010  -  11:00 صباحا.. هابي نيو يير.. أو "سنة لعينة جديدة تمتليء سعادة" كسابقتها.. *-*-* -ماهي أمنياتك للسنة الجديدة..؟ -................. "صمت دائم كما في ديار الأموات" *-*-* أصل للوحدة متاخرا بعض الشيء.. أقف مترددا أمام البناء المتهالك الآيل للسقوط –لكنه لايسقط أبدا- للوحدة.. وصلت لدرجة منكرة من الاختناق..ومدى عنيف من الانهيار.. لم أكن أريد أن أدخل الوحدة..لم أكن أريد أن أخالط من بداخلها من مخلوقات النصف أموات.. نفور لا مثيل له..أكثرمرة داهمني شعور التقزز المريع من عدم رغبتي باختلاطي بهؤلاء الآن.. على حافة الترعة المواجهة للوحدة..أقف وحيدا لا أرغب بالنظر للداخل.. أعرف أن الطبيب والطبيبة الذان يعملان بالوحدة معي بالداخل.. أنت لم تعرف الخبر السعيد بعد..؟ نعم.. كانوا قد أتوا بطبيبة جديدة للعمل معنا..منذ عدة أيام أو أسابيع أو أي وحدة زمنية مناسبة لك ولتقديرك.. جلبها لنا بابا نويل –مدير الإدارة الوغد- لسبب وجيه لا أدريه طبعا.. ربما هو ضغط العمل العنيف..؟ لا اعرف.. المهم..أنني أقف الآن..أرمق العابرين...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..19

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 24 – 12 – 2009  -  2:30 ظهرا.. عاد الرجل المفتش بالجهاز المركزي للمحاسبات لينهي مهمته.. كان الرجل قد أعطى مهلة يومين حتى يقوم أمين المخزن –الذي لم يصدف لي رؤيته سابقا- بتقييم أوراقه.. تقييم هي لفظة مهذبة لـ "تظبيط".. الأوراق الخاصة بالعهدة وما إلى ذلك.. أمين المخزن عرفت أنه مصاب بورم ما في الفك..ودخل في دوامى المرض العتيدة..جراحة يتلوها علاج كيماوي..ثم جراحة يتلوها علاج كيماوي..إلخ.. وبهذا يحق له حسب قوانين التكافل المصرية العتيدة في العمل الحكومي أن يبتعد كما يشاء..بينما لايزال يخذ راتبه كاملا –الذي هو ملاليم- على لا شيء يقوم به.. ومن حين لآخر فقط يأتي لكي يلقي السلام على من بالوحدة.. ادرك أنني بشكل أو بآخر متسبب في هذا.. لكن –واللعنة عليك ياصديقي-  ماذا تريد من أن أفعل..؟ أنا عاجز تماما عن فعل أي شيء.. محاصر تماما.. محاصر حتى بداخل نفسي..ولا أمل بفرج قريب.. *-*-* حين وصلت للوحدة..ذهبت لأقوم بشحن رصيد هاتفي المحمول.. هناك محل في الجوار..على بعد خطوات.. حين عودتي وجدت أن الدنيا انقلب حالها.. كنت أتوقع ذلك..لكن ليس بهذا ا...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..18

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 21 – 12 – 2009  -  1:30 ظهرا.. كتب لي أن أشهد بعض الانتقام أخيرا.. ربما ليس انتقاما كاملا..وربما كان انتقاما غير موجه..أشبه بقنبلة من قنابل الحلفاء التي هوت بدون أي أجهزة توجيه على مدينة ألمانية..فأصابت الجميع.. لكنه انتقام علة كل حال.. *-*-* أتى موظف إداري ما للتفتيش على ما أثير عن اهدار المال العام بهذه الوحدة.. كان تفتيشا مفاجئا حقا..لأنه لم يكن من الوحدة المحلية او المحافظة أو الإدارة أو المديرية حتى.. كان من الجهاز المركزي للمحاسبات.. حتى في ذلك الوقت من الحكم المتأخر لمبارك..كان هذا الجهاز لا يزال يحتفظ بدرجة كبيرة من الاحترام..ويظهر الكثير من قضايا الفساد كل حين وحين.. طبعا..في ظل هذه الفوضى العظيمة..كانت تلك مفاجئة قاسية.. كان الانتقال السريع المرتبك من الوحدة القديمة الآيلة للسقوط..من حيث البشر والمعدات والأدوات والمرضى..إلى حيث المقر المخصص لسكن الطبيب والممرضات قديما..كان ذلك الانتقال عبارة عن فوضى عارمة..شيء يشبه مابعد الحرب والتهجير..منظر يستحق فيلم رديء من أفلام رعب ما بعد الحداثة.. نقلوا أشياء..وتركوا أشياء أكثر..لتغ...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..17

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 19 – 12 – 2009  -  12:00 ظهرا.. اتصالات متعددة على هاتفي المحمول.. في تلك الأيام..بدأت عادة جديدة لدي في الظهور.. أن أتجاهل الاتصال القادم..وبالطبع مهما زاد عدد مرات الاتصال..كانت ذلك أولى بعدم الرد.. الحق أن تلك الأيام البائسة كانت سببا في تكوين أشياء أساسية في شخصيتي فيما بعد.. انتهى الاتصال أخيرا..فقط ليتكرر بعد قليل.. *-*-* بعد فترة من الهدوء..أتت إلي رسالة نصية قصيرة.. رباه..من هذا الشخص العظيم الذي لايكف عن الالحاح بهذه الصورة البشعة.. أقرأ الرسالة متوجسا خيفة.. يا ألله..خبر يبدو سارا أخيرا..وبعد طول غياب.. الرسالة من طبيب جديد..بعث ليكون معي في هذا المنفى.. قلت لنفسي..لعله خيرا..ربما يأتي ويأتي معه تغيير شامل بكل شيء.. يؤانسني في وحدتيّ..وحدة الغربة..ووحدة الأشخاص.. ربما يكن عبقريا..فيهون علي الغباء القابع فيه منذ الأمد.. وربما يكون سعيدا..فينتشلني من هوة الكآبة.. ربما يكون مثقفا..فيرحمني من كل هذا الهراء..ونقضي وقتنا في مناقشة كيف بدأت الأشياء.. ربما يكون أي شيء آخر غير هذه القذارة.. *-*-* حينما أقابله أخيرا..شعر...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..16

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 13 – 12 – 2009  -  12:00 ظهرا.. استلمت خطابا حين وصولي للوحدة.. خير اللهم اجعله خيرا.. أنا لا أستلم أبدا شيئا إلا وكان الشيطان الصغير القابع فوق المدخل قد أمهره بخاتمه.. خطابا مليئا بالشرور.. لكنه ويا للمفاجاة..كان خطابا عاديا..من المعهد الديني المجاور لنا..يطلب فيه أن يقوم الطبيب بالوحدة بإلقاء محاضرة خاصة بمرض انفلونزا الطيور/الخنازير..لتوعية التلاميذ الصغار بهذا المرض، والوقاية منه.. شيء لطيف حقا.. أنا سأقف خلف منصة..أو أمام منصة..أو فوق منصة..وهناك الجماهير الغفيرة..وألقي خطابا مفعما بالحماس والحيوية.. ستنطلق آهات الاعجاب..وسيسقط الطلبة انبهارا..ثم تنطلق المظاهرات الحاشدة هتافا بحياتي..وحينها أتلقى رصاصة غادرة.. أموت شهيدا..ويطلقون اسمي على الوحدة الصحية..ويصنعون مثالا متوسط الحجم من الطين..ويضعونه على حافة الترعة حيث يستفيدون منه في ربط البهائم فيما بعد.. لا بأس..لا بأس على الإطلاق.. على الأقل..سأقوم بشيء ذي جدوى.. أنا أفضل هكذا أعمال..بديلا عن عمل حلاق/كاتب الصحة الذي أمارسه حاليا.. *-*-* أذهب للمدرسة..يستقبلني مدرس طيب ال...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..15

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 12 – 12 – 2009  -  11:30 صباحا.. أجلس مستمتعا بالفراغ هنا.. العيادة –مقري- تقع بالطابق الثاني في هذاالمبنى نصف المتهم.. غرفة واسعة ملحق بها شرفة واسعة نسيا.. الحقيقة أن هذا كان سكن طبيب الوحدة..ويقابله في الواجهة سكن التمريض..وهذا يخبرك ياصديقي عن مدى البذخ الذي كان كان عليه النظام.. السكنان ملحقان بالوحدة الصحية..أو الحقيقة المستشفى التكاملي..التي هي عبارة عن مستشفى صغير تقدم الاسعافات الأولية وبعض العمليات الجراحية البسيطة بالاضافة لخدمة العيادات..والتي أغلقت بعد أن أصبحت آيلة للسقوط..وانفجرت مياه الصرف الصحي في أرضيتها..وأصبحت هنا..وتحولت إلى وحدة صحية بائسة.. أجلس في الشرفة..على كرسي أجلبه من الداخل..أستحضر من كان يجلسون هنا قبلي.. لابد أنه كان طبيبا شابا هو الآخر..مليء بالحياة..وبالتأكيد لم تكن هذه هي حال الوحدة.. أجلس..أنظر للأفق..للحقول الخضراء المرهقة..أحاول أن أتحاشى المباني القبيحة بالطوب الأحمر..أتنسم النسيم البارد.. حين أشعر ببعض البرد أدلف للداخل.. أجلس للمكتب..أمدد ساقي في جلستي المفضلة عليه..وأحدق في السقف المتهدل من فوق...