المشاركات

الزقازيق..مديرية الصحة..مابين قوسين..

الزقازيق.. مديرية الصحة.. 26 – 2 – 2010  -  11:00 صباحا.. أشعر بالفراغ..لا منتمِ لأي مكان.. وهو شعور رائع لو أردت رأيي.. *-*-* ذلك الشعور الذي أحسسته عقب انتهاء سنوات دراستي بالكلية..في السنة السادسة.. يختلف الأمر عن باقي السنين الفائتة.. هذه السنة الأخيرة بنهايتها..انتهت مرحلة ما في حياتك..هذا مكان لن تعود إليه مجددا.. نفس الشيء ينطبق عقب انتهاء سنة الامتياز..مرحلة من الفراغ واللا انتماء لأي شيء.. اليوم..وأنا في المديرية..أخذ ذلك الشعور يرواودني بقوة.. أنا حر.. أنا فعلا حر الآن يا صديقي.. *-*-* في النهاية أتغلب على كل هذه الأفكار.. أمد الحرية ليس طويلا.. أصعد للسيدة في المكتب الخاص بالتكليف في الدور الثاني.. أقوم بتسليمها ورقة إخلاء الطرف..ببقايا النسر في ختمها باللون الأزرق.. أنتظر تأشيرة منها لأبدأ رحلتي الجديدة في الجزء الثاني من التكليف.. الرحلة إلى حيث إدارة أبو حماد.. تسالني السيدة في معرض حديثها عن سبب انتقالي من هناك.. أخبرها بشكل عام عن بعض المآسي التي شهدتها هناك.. أختم قولي بأنها كانت إدارة سيئة.. "ياه..تلك الأيام..!! سيئة هذه كانت من أ...

مشتول السوق..الخلاص..الجزء الثاني والأخير..

فقط..الشيء المقيت الذي حدث في النهاية.. تلك الاستقطاعت التي كان يجب علي تسديدها قبل انهاء آخر ورقة.. مبالغ بعدة مئات..بعد خصم مئات أخرى من راتبي..الحقيقة أنه تم خصمه بأكمله.. لا بد أنهم كانوا يتساءلون عن أي مجنون كنته لأفقد كل هذه المئات بهذه السهولة.. ولربما تصوروا أنني مثل آخرين..أفقد هذه المئات لأنني أحصل أضعافها في أماكن أخرى.. لا بأس.. أنا لازلت مبتسما.. حتى وأنا افرغ جيوبي كلها أمام الموظف.. حتى وأنا أتلقى عرضا بالمساعدة في صورة مائتي جنيه قرضا من أحدهم.. أبتسم..لهذا الحد..؟ لكن الله كريم كما هو دوما.. أنهي دفع كل المبالغ التي علي بدون الاضطرار للجوء لأي أحد.. لا بد أن أحصل على الورقة اليوم بأي حال.. أنهي كل شيء.. أنهي كل شيء أخيرا.. أخذ الورقة التي نقش عليها رسم النسر الباهت.. حتى أنت ايها المسكين.. لا بأس.. أهبط السلالم للمرة الأخيرة..أخرج من البوابة الواطئة للمرة الأخيرة.. أقف أمام المبنى الحكومي القذر للمرة الآخيرة.. ىخذ نفسا عميقا.. كل سباب الدنيا لن ينقضي.. اللعنة عليكم.. اللعنة عليكم وعلى كل لحظة قضيتها في مكان مقيت كهذا للحظة واحدة.. اللعنة عليكم...

مشتول السوق..الخلاص..الجزء الأول..

مشتول السوق.. الأيام الأخيرة مابين مديرية الصحة في الزقازيق والإدارة الصحية والوحدة.. ممتدة من يوم 15 فبراير 2010 وحتى يوم إخلاء طرفي من إدارة مشتول السوق في يوم 24 فبراير 2010 أقف أمام مبنى المديرية بجوار مبنى المحافظة.. آخذ شهيقا عميقا.. وألقي بنفسي وسط الداخلين.. *-*-* هل تذكر أيام التكليف الأولى..؟ الأيام العظيمة التي لم تكن تدرك فيها أي شيء..أو معنيا بأي شيء سوى إنهاء أوراق تكليفك واستلامك العمل بالفعل.. إنها الأيام تعود مرة أخرى يا صديقي.. قد مر ما يقرب من العام..أكثر من ثلاثمائة يوم مر عليك في هذا العذاب المقيت.. وها أنذا فقط أهرب من هذا الجحيم لمكان آخر ربما يكون أقل بؤسا.. أبدأ من مكتب مدام فلانة في الطابق الثاني.. آخذ تأشيرة وخطاب لمكتب الأستاذ فلان في الطابق الثالث..وتأشيرة من السيدة مديرة شؤون العاملين في الطابق الثالث أيضا..في المكتب المجاور.. أهبط للأسفل..أتسلم أصل الخطاب..أهبط للدور الأول..اتلقى الخاتم صاحب الشعار الرسمي للدولة.. أتذكر ذلك النسر المصلوب للأبد..؟ نعم..هو ذاك.. مثلك..يتوق لالتقاط حريته.. والذهاب بعيدا.. *-*-* انتهت الدورة الأولى..و...

مشتول السوق..وحدة دهمشا..2

مشتول السوق.. وحدة دهمشا.. 14 – 2 – 2010  -  10:00 صباحا.. أصل للوحدة.. لن أفعل أي شيء اليوم.. فقط سأوقع بالحضور..ثم أكلم زميلي بالوحدة عن سفرية القاهرة للحصول على قرار النقل.. ثم آخذ طريقي للقاهرة.. سفرية طويلة شاقة.. وطريق يشبه السفر عبر الجحيم.. كان بإمكاني أن أذهب مباشرة من الزقازيق للقاهرة..أتخذ طريقا بدون أي توقف.. لكن كل هذا لأنني لا أريد المزيد من المتاعب.. سئمتها يا صديقي..سئمتها وتعبت.. ولأنني قطعت وعدا لزميلي بأني لن أسبب المزيد من المشاكل في هذه المرحلة.. سأترك الأمور تمضي في سلام.. فقط لتتركني في سلام أنا الآخر.. *-*-* أتأخر في الطريق..الساعة الثانية عشر ظهرا..ولم أفعل أي شيء بعد.. اصل لحدود القاهرة..وأبدأ رحلة المترو.. أتمنى من الله أن تكون هذه هي الرحلة الأخيرة لي لهذا المكان.. المرة الفائتة أخبرتني السيدة الموظفة أن أوراقي لم تنتهي بعد.. تخبرني بأسف أن الأوراق في المعتاد لا تأخذ كل هذا الوقت.. أبتسم في مرارة..أبتسم في سخرية..ابتسم بلا أي معنى.. أنا أعرف السبب يا سيدتي الفاضلة.. *-*-* أصل للوزارة أخيرا.. مرهقا..مشعثا.. لو كنت سافرت ...

مشتول السوق..وحدة دهمشا..1

مشتول السوق.. وحدة دهمشا.. 13 – 2 – 2010  -  10:30 صباحا.. في هذه المرة كان الطريق مختصرا للغاية.. حتى أنني سألت نفسي إذا كان ذلك الوغد –مدير الإدارة- يعرف ما يفعله حقا.. *-*-* نعم..أنت قرأتها بشكل صحيح.. قرية "دهمشا".. هذا هو الانتقال الرابع او الخامس..توقفت عن العد يا صديقي حين أدركت أن ذلك لم يعد يجدي نفعا.. ما هو سبب التسمية..؟ لماذا تسال هذا السؤال المقيت كل مرة..؟ ما سبب تسمية قرية المنير بهذا الاسم..هل كان منها أحد رواد النهضة مثلا..؟ ماسبب تسمية قرية الصحافة بهذا الاسم..هل كانت مكان مطبعة الأهرام الكبرى مثلا..؟ ليكن..أنت تدرك سبب تلك التسميات.. لا بد انه كان هناك طبيب شاب ثائر أيام الاحتلال الانجليزي للبلاد..كان يتزعم حركة المقاومة..ويدافع عن حقوق الفلاحين الفقراء..ولابد أن ذلك أقلق راحة مدير الإدارة الانجليزي –الوغد- طبعا..فقرر أن يتتبع أثره..حتى لحقوه في هذه القرية التي لم تكن إلا شيئا بسيطا عبارة عن بيوت طينية يغمرها الفقر طوال عام..حاصروه أخيرا في أحد تك البيوت المطله على ترعة البلدة..إلا أنه تمكن من القفز إلى الترعة ليفر بنفسه..فصاح الفلاحون ف...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..الأخيرة..

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 11 – 2 – 2010  -  11:00 صباحا.. طالت غيبتي هذه المرة.. كنت أظن أني وصلت للحضيض..لكن هناك المزيد دوما.. هذه المرة كسرت الرقم القياسي السابق.. عشرون يوما كاملة.. لك أن تفخر بذلك.. *-*-* ضاعت الأيام الفائتة مابين سفر بلا طائل من ورائه..خلف حلم صار شبيها بالسراب..يلوح لك يا صديقي على غير حقيقته..ألا وهو نقل التكليف لإدارة أخرى.. وما بين أيام أتكاسل فيها عن النهوض..أظل ملازما فراشي بلا أي عمل يذكر..محدقا في السقف..متأملا –كالعادة- في روعته.. صار هدفي في تلك الأيام هو الحصول على تأشيرة السيد وكيل الوزارة المختص بشؤون عمال التراحيل/أطباء التكليف/العبيد..على طلبي المعنون بـ "السيد وكيل الوزارة المبجل..إلخ..إلخ..نقل تكليفي..لإدارة..إلخ..إلخ..حيث سماح المجموع..إلخ..أرجوك..أتوسل إليك..إلخ..إلخ..يتم اضطهادي بقسوة بالغة..مدير الإدارة الوغد..إلخ..إلخ..اللعنة عليكم جميعا..إلخ..إلخ..ثم في النهاية: مقدمه لسيادتكم.المعذب: أ.ص.د." تمضي أيام كهذه..وتمضي أيام كتلك.. وتمضي أيام أخرى طويلة لا أذكر منها أو عنها أي شيء.. إنه السقوط.. السقوط المهين ياصدي...

مشتول السوق..وحدة الصحافة.21

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 17 – 1 – 2010  -  10:00 صباحا.. ادور في فلك الاكتئاب كجسيم فضائي فقد اتجاهه، فصار يتخبط في الفضاء الواسع.. حتى صار ما يرجوه هو الاصطدام بأي كوكب سيار..ثم الفناء.. هذا هو ما أصبحت عليه.. *-*-* عودة بعد مايقرب من عشرة أيام غياب.. تعب..وسفر..ومشقة بالغة..ورغبة لا متناهية في عدم مغادرة السرير.. لم أكن أرد على الاتصالات على هاتفي المحمول.. "هذه الأيام السعيدة التي بدأت تلك العادة في التأصل لدي.." لم يكن لي اي صلة بما يحدث هنا.. عندما عدت..لم أدرك أنه قد فاتني بعض الأشياء المثيرة.. تأمل معي يا صديقي.. جاء تفتيش من الوزارة..ويبدو أنه من توابع زلزال زيارة ذاك المفتش من الجهاز المركزي للمحاسبات.. التفتيش المنتظر الشبيه بمنظر الخاتمة في أي مسلسل قميء.. حيث يلقى الأشرار عقابهم الأسطوري..ويصبح الأنقياء الأخيار سعداء.. ولأن هذا فيلم هابظ للغاية..فلم تكن النهاية لتأتي مغايرة أبدا.. لن يحدث –في الغالب- أي شيء.. بضع جزاءات لبضع عاملين.. ثم ينتهي الأمر.. ألم أقل لك أن الأنقياء سيكونون أسعد حالا بكثير..؟ *-*-* لم يمسني ذلك بسوء على أغل...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..20

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 3 – 1 – 2010  -  11:00 صباحا.. هابي نيو يير.. أو "سنة لعينة جديدة تمتليء سعادة" كسابقتها.. *-*-* -ماهي أمنياتك للسنة الجديدة..؟ -................. "صمت دائم كما في ديار الأموات" *-*-* أصل للوحدة متاخرا بعض الشيء.. أقف مترددا أمام البناء المتهالك الآيل للسقوط –لكنه لايسقط أبدا- للوحدة.. وصلت لدرجة منكرة من الاختناق..ومدى عنيف من الانهيار.. لم أكن أريد أن أدخل الوحدة..لم أكن أريد أن أخالط من بداخلها من مخلوقات النصف أموات.. نفور لا مثيل له..أكثرمرة داهمني شعور التقزز المريع من عدم رغبتي باختلاطي بهؤلاء الآن.. على حافة الترعة المواجهة للوحدة..أقف وحيدا لا أرغب بالنظر للداخل.. أعرف أن الطبيب والطبيبة الذان يعملان بالوحدة معي بالداخل.. أنت لم تعرف الخبر السعيد بعد..؟ نعم.. كانوا قد أتوا بطبيبة جديدة للعمل معنا..منذ عدة أيام أو أسابيع أو أي وحدة زمنية مناسبة لك ولتقديرك.. جلبها لنا بابا نويل –مدير الإدارة الوغد- لسبب وجيه لا أدريه طبعا.. ربما هو ضغط العمل العنيف..؟ لا اعرف.. المهم..أنني أقف الآن..أرمق العابرين...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..19

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 24 – 12 – 2009  -  2:30 ظهرا.. عاد الرجل المفتش بالجهاز المركزي للمحاسبات لينهي مهمته.. كان الرجل قد أعطى مهلة يومين حتى يقوم أمين المخزن –الذي لم يصدف لي رؤيته سابقا- بتقييم أوراقه.. تقييم هي لفظة مهذبة لـ "تظبيط".. الأوراق الخاصة بالعهدة وما إلى ذلك.. أمين المخزن عرفت أنه مصاب بورم ما في الفك..ودخل في دوامى المرض العتيدة..جراحة يتلوها علاج كيماوي..ثم جراحة يتلوها علاج كيماوي..إلخ.. وبهذا يحق له حسب قوانين التكافل المصرية العتيدة في العمل الحكومي أن يبتعد كما يشاء..بينما لايزال يخذ راتبه كاملا –الذي هو ملاليم- على لا شيء يقوم به.. ومن حين لآخر فقط يأتي لكي يلقي السلام على من بالوحدة.. ادرك أنني بشكل أو بآخر متسبب في هذا.. لكن –واللعنة عليك ياصديقي-  ماذا تريد من أن أفعل..؟ أنا عاجز تماما عن فعل أي شيء.. محاصر تماما.. محاصر حتى بداخل نفسي..ولا أمل بفرج قريب.. *-*-* حين وصلت للوحدة..ذهبت لأقوم بشحن رصيد هاتفي المحمول.. هناك محل في الجوار..على بعد خطوات.. حين عودتي وجدت أن الدنيا انقلب حالها.. كنت أتوقع ذلك..لكن ليس بهذا ا...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..18

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 21 – 12 – 2009  -  1:30 ظهرا.. كتب لي أن أشهد بعض الانتقام أخيرا.. ربما ليس انتقاما كاملا..وربما كان انتقاما غير موجه..أشبه بقنبلة من قنابل الحلفاء التي هوت بدون أي أجهزة توجيه على مدينة ألمانية..فأصابت الجميع.. لكنه انتقام علة كل حال.. *-*-* أتى موظف إداري ما للتفتيش على ما أثير عن اهدار المال العام بهذه الوحدة.. كان تفتيشا مفاجئا حقا..لأنه لم يكن من الوحدة المحلية او المحافظة أو الإدارة أو المديرية حتى.. كان من الجهاز المركزي للمحاسبات.. حتى في ذلك الوقت من الحكم المتأخر لمبارك..كان هذا الجهاز لا يزال يحتفظ بدرجة كبيرة من الاحترام..ويظهر الكثير من قضايا الفساد كل حين وحين.. طبعا..في ظل هذه الفوضى العظيمة..كانت تلك مفاجئة قاسية.. كان الانتقال السريع المرتبك من الوحدة القديمة الآيلة للسقوط..من حيث البشر والمعدات والأدوات والمرضى..إلى حيث المقر المخصص لسكن الطبيب والممرضات قديما..كان ذلك الانتقال عبارة عن فوضى عارمة..شيء يشبه مابعد الحرب والتهجير..منظر يستحق فيلم رديء من أفلام رعب ما بعد الحداثة.. نقلوا أشياء..وتركوا أشياء أكثر..لتغ...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..17

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 19 – 12 – 2009  -  12:00 ظهرا.. اتصالات متعددة على هاتفي المحمول.. في تلك الأيام..بدأت عادة جديدة لدي في الظهور.. أن أتجاهل الاتصال القادم..وبالطبع مهما زاد عدد مرات الاتصال..كانت ذلك أولى بعدم الرد.. الحق أن تلك الأيام البائسة كانت سببا في تكوين أشياء أساسية في شخصيتي فيما بعد.. انتهى الاتصال أخيرا..فقط ليتكرر بعد قليل.. *-*-* بعد فترة من الهدوء..أتت إلي رسالة نصية قصيرة.. رباه..من هذا الشخص العظيم الذي لايكف عن الالحاح بهذه الصورة البشعة.. أقرأ الرسالة متوجسا خيفة.. يا ألله..خبر يبدو سارا أخيرا..وبعد طول غياب.. الرسالة من طبيب جديد..بعث ليكون معي في هذا المنفى.. قلت لنفسي..لعله خيرا..ربما يأتي ويأتي معه تغيير شامل بكل شيء.. يؤانسني في وحدتيّ..وحدة الغربة..ووحدة الأشخاص.. ربما يكن عبقريا..فيهون علي الغباء القابع فيه منذ الأمد.. وربما يكون سعيدا..فينتشلني من هوة الكآبة.. ربما يكون مثقفا..فيرحمني من كل هذا الهراء..ونقضي وقتنا في مناقشة كيف بدأت الأشياء.. ربما يكون أي شيء آخر غير هذه القذارة.. *-*-* حينما أقابله أخيرا..شعر...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..16

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 13 – 12 – 2009  -  12:00 ظهرا.. استلمت خطابا حين وصولي للوحدة.. خير اللهم اجعله خيرا.. أنا لا أستلم أبدا شيئا إلا وكان الشيطان الصغير القابع فوق المدخل قد أمهره بخاتمه.. خطابا مليئا بالشرور.. لكنه ويا للمفاجاة..كان خطابا عاديا..من المعهد الديني المجاور لنا..يطلب فيه أن يقوم الطبيب بالوحدة بإلقاء محاضرة خاصة بمرض انفلونزا الطيور/الخنازير..لتوعية التلاميذ الصغار بهذا المرض، والوقاية منه.. شيء لطيف حقا.. أنا سأقف خلف منصة..أو أمام منصة..أو فوق منصة..وهناك الجماهير الغفيرة..وألقي خطابا مفعما بالحماس والحيوية.. ستنطلق آهات الاعجاب..وسيسقط الطلبة انبهارا..ثم تنطلق المظاهرات الحاشدة هتافا بحياتي..وحينها أتلقى رصاصة غادرة.. أموت شهيدا..ويطلقون اسمي على الوحدة الصحية..ويصنعون مثالا متوسط الحجم من الطين..ويضعونه على حافة الترعة حيث يستفيدون منه في ربط البهائم فيما بعد.. لا بأس..لا بأس على الإطلاق.. على الأقل..سأقوم بشيء ذي جدوى.. أنا أفضل هكذا أعمال..بديلا عن عمل حلاق/كاتب الصحة الذي أمارسه حاليا.. *-*-* أذهب للمدرسة..يستقبلني مدرس طيب ال...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..15

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 12 – 12 – 2009  -  11:30 صباحا.. أجلس مستمتعا بالفراغ هنا.. العيادة –مقري- تقع بالطابق الثاني في هذاالمبنى نصف المتهم.. غرفة واسعة ملحق بها شرفة واسعة نسيا.. الحقيقة أن هذا كان سكن طبيب الوحدة..ويقابله في الواجهة سكن التمريض..وهذا يخبرك ياصديقي عن مدى البذخ الذي كان كان عليه النظام.. السكنان ملحقان بالوحدة الصحية..أو الحقيقة المستشفى التكاملي..التي هي عبارة عن مستشفى صغير تقدم الاسعافات الأولية وبعض العمليات الجراحية البسيطة بالاضافة لخدمة العيادات..والتي أغلقت بعد أن أصبحت آيلة للسقوط..وانفجرت مياه الصرف الصحي في أرضيتها..وأصبحت هنا..وتحولت إلى وحدة صحية بائسة.. أجلس في الشرفة..على كرسي أجلبه من الداخل..أستحضر من كان يجلسون هنا قبلي.. لابد أنه كان طبيبا شابا هو الآخر..مليء بالحياة..وبالتأكيد لم تكن هذه هي حال الوحدة.. أجلس..أنظر للأفق..للحقول الخضراء المرهقة..أحاول أن أتحاشى المباني القبيحة بالطوب الأحمر..أتنسم النسيم البارد.. حين أشعر ببعض البرد أدلف للداخل.. أجلس للمكتب..أمدد ساقي في جلستي المفضلة عليه..وأحدق في السقف المتهدل من فوق...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..14

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 10 – 12 – 2009  -  9:30 صباحا.. بمعجزة ما..أصل للوحدة مبكرا.. ولأن هذا حدث قلما يتكرر كما اقتران كوكب المشترى في مدار كوكب أورانوس..فقد وجدت أنه وجب علي الاحتفال..وتقديم القرابين لآلهة العبث الحالسين هنا بلا عمل حقيقي من أي نوع.. وطبعا التحية للشيطان الوغد الذي لم يأت حتى الآن.. هالالويا.. *-*-* أنا في بيئة معادية.. بيئة معادية لي تماما.. كنت أفكر كيف أن المريض النفسي المصاب بضلالات اضطهادية سيفكر مقتنعا أن الكل يكرهه..الكل يود إيذاءه..الكل يسبه ويحتقره ويهينه.. لا..ليس الأمر هكذا.. البيئة المعادية هي لأفكاري..لطوحي..لأهدافي..لمعتقداتي..لمبادئي.. الكل يعمل هنا بطريقة بيروقراطية عفنة..تفوح منها رائحة الخواء والجهل وانعدام الضمير والترهل والقذارة.. المكان يفرض ذاته على الأشخاص والعكس.. حتى الآن لا أستطيع التأقلم معها بأي حال من الأحوال..وأحمد الله على ذلك.. ولم يمكنني حتى اصلاحها بأي حال من الأحوال..أو المحاولة حتى.. صعقت..فالأمر يتخطاني بكثير..وحين أتيت لهنا..اتضح لي الأمر أكثر.. جل ما استطعت فعله أن أنأى بنفسي عن هؤلاء..وعن ال...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..13

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 5 – 12 – 2009  -  12:00 ظهرا.. يتلاعبون بي.. أدرك ذلك جيدا..ولست بحاجة لأدلة أو براهين.. عشرات الأوراق التي تأتيني في اليوم..ويطلب مني التوقيع.. خط سير غامض..لمكان أكثر غموضا..يذهب إليه بشكل غامض..ولا يعود.. لا بأس..وقع..هنا..نعم..هنا بالضبط.. شهادات مواليد.. أطفال جديدة تضاف لقائمة البؤس.. وقع.. شهادات وفيات.. أناس لم أرهم..ولم أسمع عنهم..ولا أعرف إن كانوا توفوا فعلا أم لا.. هلم..وقع.. تقارير سرية.. لموظفين لم أقابلهم يوما..ربما لأنني لا آتي لهنا كثيرا..نعم..ربما لأنني وغد.. وكلها بصدفة قدرية بحتة: امتياز.. تبا..وقع.. طلبات صرف أدوية..تلك التي حاولت حصرها يوما..وانتظرت لليوم الثاني حتى تأتي الممرضة وتقوم بفتح الصيدلية لأنها "عهدة"..وكتبت لها تاريخ الانتهاء.. طلبات صرف أدوية جديدة..غير تلك المركونة هناك.. نعم..نعم..وقع.. اللعنة..أنا في وسط نظام فاسد تماما لاقبل لي بمواجهته.. يجب على أن أتماهى معه..أو على الأقل أنسحب إلى جانب ما..وأحاول ألا يصل إلي ذلك الرذاذ القذر.. لكنهم مصممون على أن نكون شركاء.. منذ بداية ذلك القابع ...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..12

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 24 – 11 – 2009  -  1:30 ظهرا.. تتصل بي الزميلة الطبيبة تبلغني بأن لديها مرتبي عن هذا الشهر.. اليوم كان الأخير قبل أجازة العيد.. تأمل معي الموقف ياصديقي العزيز.. وأنت أيها الشيطان الصغير البائس.. أنا تغيبت مايقرب من إحدى عشر يوما.. وهناك كذلك خمس أيام هي أجازة العيد الرسمية..دعك من أيام الجمع.. أي أنني لم آت هنا فعليا إلا أقل من خمسة عشر يوما.. ثم ماذا أفعل هنا..؟ لا شيء.. لو شئت الحق..أنا لا أستحق هذا الراتب.. صحيح أنه لايساوي شيئا..لكن في النهاية..هو مماثل تماما لما أفعله هنا.. لا شيء.. بصقة كبيرة..يمسحها منديل قذر.. *-*-* تماما مثل كل شيء في حياتي في هذه اللحظة.. كل حركة..كل خطوة..كل مجهود..لا شيء.. عبث.. وحياة عدمية لأقصى حد ممكن.. الشيء الوحيد الذي يبدو ذو قيمة..هو عمري الذي ينقضي بلا أي مبرر..سوى أوامر الحكومة الذكية.. أي حماقة..!! رحمتك يا رب.. رحمتك يا رب..

مشتول السوق..وحدة الصحافة..11

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 15 – 11 – 2009  -  12:00 ظهرا.. أحد عشر يوما غائبا عن الحضور.. لا بأس.. هذه أرقام هينة..مستواي يتحسن يوما بعد يوم حتما.. بدأنا بيوم..ثم اثنين..ثم أكثر فأكثر.. ها أنت ذا..أصبحت موظفا مثالي.. ربما لست بهذه المثالية بعد.. لكنك في الطريق.. حتما في الطريق.. *-*-* ربما اليوم يستحق احتفالا بسيطا.. ذهبت للإدارة بحثا عن الحقيقة حول نقلي النهائي هنا..أو لمكتب الصحة.. طبعا كلاهما عذاب..وإن كانا مختلفين بعد الشيء.. أنا أشعر أنني أموت فعليا هنا.. لا شيء سوى فترات متقطعة من الاحباط..وانهيار مستمر.. أقرر أنني بحاجة لأجازة طويلة.. هذا الأمر لم يعد يجدي بعد الآن.. فقط..بعد أن أقدم في حركة النيابات القادمة..المخرج الوحيد لي من هذا الجحيم.. لا أجد السيد المدير..وأجد نائبه الوغد الذي أصدر أمر نقلي لذلك المنفى.. ذلك الأسمر القصير صاحب الشارب المضحك..أتذكره..؟ حاولت أن أشرح له ببراءة متخيلة أقرب للخيال- ما أشعر به..لكن استعصى علي ذلك.. وكأنني أحدثه بلغة أخرى.. وكأنني أحدثهم بلغة أخرى..لا يفهمونها.. أدرك أنني ضعيف للغاية في مسألة التواصل ...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..10

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. ماتبقى من ذكريات أيام الحملة..أيام متفرقة تمتد مابين 2 – 11 – 2009 إلى 10 – 11 – 2009.. اليوم التاسع للحملة..12:00 ظهرا.. لاشيء جديد.. انا في طريقي للمنزل.. نحن ننهي الأعمال..ولاشيء جديد.. لم يتبق الكثير.. هناك من يتحدث أننا على وشك انهاء تطعيم الأطفال التابعين لمحيط الوحدة الصحية.. وإن كنت أشك في ذلك.. ما أراه هنا هو شيء أقرب لملئ الخانات لا أكثر.. ولا أقل.. *-*-* اليوم العاشر للحملة..12:30 ظهرا.. اليوم كانت آخر زيارة لهذه القرية.."ماذا كان اسمها..؟" كان الهدف الأصلي هو أن نصل للعدد المستهدف من الأطفال لتطعيمهم حسبما تريد الوزارة.. وقد وصلنا إليه.. هالالويا.. لقد انقذنا الأطفال الأبرياء..الملائكة.. هناك الكثير من التجاوزات التي شهدتها بعيني..وحدثت بدون علمي..وهي نمط حياة هنا فيما يبدو.. والحقيقة أنني لم أكن أملك فيما يبدو –أيضا- إلا الاعتراض..والكتابة.. واطلاق اللعنات.. سأكتب عن كل هذا فيما بعد.. بالتفاصيل التي سأحاول أن أتذكرها.. *-*-* ..........وحتى اليوم الأخير في الحملة.. لم أجد أي شيء يستحق المجيء.. الحقيقة ...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..9

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 1 – 11 – 2009  -  11:30 صباحا.. ياللهول..!! كل هذه الفوضى العارمة في المكان الذي اختاروه للتمركز..بعد النداء على الأهالي في مكبرات الصوت في الجامع الكبير في القرية.. كنا قد انتقلنا للمرحلة الثانية بعد المدارس..وهي التمركز في جامع أو مركز شباب..(وربما بيت العمدة مثلا لو أردت بعض المغالاة) وانتظار الأهالي الذين لم يرسلوا أبناءهم للمدارس..أو أنهم مازالوا قبل سن الدخول ولم يدخلوهم حضانات.. طبعا أن تنظم كل هذه الفوضى..كل تلك الغوغاء..والجماهير الغفيرة التي تطالب بتطعيم أولادها في سابقة لم أرها من قبل.. كل ذبك يندرج تحت نطاق المستحيل.. لكن لا بأس من المحاولة.. *-*-* "ونودي في الجوامع والحوانيت والمساكن أن ياعباد الله..هلموا لتطعيم أبنائكم من المرض..يبرئكم من شره بإذن المولى..ويراجعكم في ذلك الطبيب المداوي..وفريق التومرجية المصحوبون له..فاجتمع إليه في الساحة الكبرى خلق كثيرون..وداس البعض فوق الرقاب لأجل الحصول على الوصفة المنيعة.." من كتاب "طرائف الأخبار..وعجائب الآثار" للمقريزي.. هذا لو كان يعمل طبيب أول في وحدة صحية.. وأرسلو...

مشتول السوق..وحدة الصحافة..8

مشتول السوق.. وحدة الصحافة.. 31 – 10 – 2009  -  10:00 صباحا.. غياب عن الوحدة لمدة يومين.. لم آت الخميس..وطبعا الجمعة أجازة.. من قال لي.. أنا أعرف أن هذه حقيقة مؤكدة.. لكن هذه البديهيات لاتعرفها وزارة الصحة فيما يبدو.. لأنني حين أتيت اليوم السبت..أدركت أن يوم الجمعة كانت هناك حملات جديدة.. طبعا لافارق لدي –أو لدى أي أحد آخر- في الحقيقة مابين غياب يوم أو يومين.. كلها في النهاية أمر مقيت واحد بلا فائدة تذكر.. أدهشني أن أحدا لم يسأل عني..أو يهتم بغيابي.. ليكن..هذا أمر محمود في هذه الآونة.. لنتحل بالصبر ياصديقي.. ونعد للعمل.. *-*-* لكن..لا عمل..!! اليوم أجازة أصلا من اللف في المدارس لتطعيم الأطفال البؤساء.. اهدأ..تمالك أعصابك.. احتفظ بما تبقى من قواك العقلية.. اصعد لمكتبك بالأعلى.. اجلس عليه كأي شخص طبيعي في هذا العالم.. افتح الجريدة التي معك.. اقرأها..اقرأ الموضوعات المحببة إليك بها.. سيمر بعض الوقت.. هل انتهيت..؟ جيد..انهض..سو ثيابك..استعد للانطلاق.. ألق السلام سريعا على الجالسين..وتمن لهم أن يحترقوا في الجحيم.. "الشيطان الصغير رفيقك ليس متواجدا..ال...