المشاركات

مشتول السوق..وحدة المنير..16

مشتول السوق.. وحدة المنير.. 19 – 5 – 2009  -  10:20 صباحا.. أشعر بغضب بالغ.. هذا اليوم العجيب منذ بدايته لا ينتوي الانتهاء على خير.. أستيقظ متأخرا..         لا أجد أي ملابس مناسبة لسبب ما.. طوال الطريق..أتفادى السيارات الأخرى بشكل أو بآخر.. هؤلاء يقودون بطريقة غاية في العجب.. أصل للبلدة اللعينة..أجد سيارة نقل عملاقة تغلق الطريق..تفرغ حمولتها من الطوب.. وقفت أفكر لدقائق..حاولت التراجع والدخول لطريق آخر.. لكن هذا مستحيل.. الطرق ضيقة للغاية..كأنها الصراط المستقيم على نار جهنم.. ركنت السيارة على الجانب..وذهبت سيرا على الأقدام.. أصل لهناك..لا أتحمل ذبابة تلوح أمام عيني.. لأفاجيء أن مفتشة ما..مرت صباحا وقامت بالتشطيب على اسمي..لمنعي من التوقيع بالحضور.. لوهلة لم أفهم الأمر.. أي مفتشة..ومن أين جاءت.. ربما تكون تابعة للإدارة..ربما للوحدة المحلية..ربما للمديرية..ربما للشيطان ذاته..ربما لأي شي لعين آخر.. ماذا أفعل إذن.. لا شيء.. أدخل لحيث غرفة الكشف..وأجلس فيها.. تأتي إلي ثلاث ممرضات غاضبات..وطلبوا أن يذهبن لبيوته...

مشتول السوق..وحدة المنير..15

مشتول السوق.. وحدة المنير.. 18 - 5 – 2009  -  4:15 عصرا.. ربما يكون هذا هو أول كشف خارجي أقوم به فعلا.. أعتبر أن مافعلته سابقا ليس إلا مجرد إرهصات في سيل ما أفعله الآن.. حينما نزلت مع القادمين..إلى البيت المقابل..لم تكن لدي أي معلومات مسبقة عن المريضة.. فقط..قالوا أنها سيدة..متقدمة في العمر.. عندما دخلت..إلى الغرفة المظلمة..كنت أفكر في أشياء كثيرة تتعلق بما أراه الآن.. راقدة..بلا حراك تقريبا..على حصيرة خضراء اللون.. هناك قرح فراش عديدة تنتشر في مواطن ارتكانها على الأرض..في بدايتها..لكنها تنذر بالسوء القادم.. تتعرف جيدا على الوجوه من حولها.. الوجوه التي تتمتم بأشياء تتحدث عن الوفاة القريبة..وعن "كرم ربنا".. كشفت عن ساقيها..قدميها كانتا متورمتان بشدة.. مصمصت إحداهن بشفتيها قائلة أن الموت يبدأ من الطرف السفلي.. كان الكل يجمع بإيمان منقطع النظير أنها بانتظار "كرم ربنا".. بلى..أدرك ذلك.. الله كريم بكل عباده.. تذكر المشهد القديم القاسي الذي لا يفتأ يعود إلى ذاكرتك مرة تلو أخرى.. بلا رحمة.. بلا رحمة.. *-*-* المشكلة الأساسية هنا..أن هذه السيدة...

مشتول السوق..وحدة المنير..14

مشتول السوق.. وحدة المنير.. 18 – 5 – 2009 – 3:30 عصرا.. قضاء الوقت -بكل هذا الفراغ المستميت- في الوحدة الصحية في فترة النوبتجية..يكون في بعض الأحيان باعثا للنفكير العميق.. مثلا.. أنت تتأمل وتتدبر في خلق الله.. أولئك الذين يأتون إلى الوحدة بأنفسهم..في وقت النوبتجية ليغرقوك في مشاكلهم وقضاياهم التي لا تثير أدنى اهتمام لك.. لن يعنيك من ياتي لك شاكيا من ألم في ساقه مستمر لفترة طويلة.. ماذا هناك..ليذهب لطبيب عظام.. ولن يعنيك من تأتي لتشتكي لك بأن ابنتها تقيء باستمرار.. لا بأس ياسيدتي..اذهبي بها لطبيب أطفال.. وبالتأكيد لن يعنيك من يأتي باحثا عن الخلاص في عملية ختان لابنه او ابنته..وهو يعدك بـ "اللي فيه النصيب".. لا بأس..اذهب للجحيم ياسيدي أو سيدتي أيما كنت.. يأتي أحدهم..فيتفضل بأن يريني مايشكو منه.. ثم ينتهي الأمر بأن يضع في يدي "اللي فيه النصيب".. جنيهين..ثلاثة..أو ربما يكون متسامحا..فيضع خمسة جنيهات.. يثيرون جنوني..وأكاد ألتقط أعناقهم بين فكي..وأضغط عليها مستمتعا بجحوظ عينيهم رعبا.. هؤلاء يتعاملون معي كعامل ما..يصلح لهم الأرض..أو يضع لهم السماد...

مشتول السوق..وحدة المنير..13

الزقازيق.. مركز رعاية الأمومة والطفولة 2.. 17 – 5 – 2009  -  2:30 ظهرا.. امتحان..؟! أنا لدي امتحان..؟! لم يخبرني أحد ما بأن تلك الدورة ستنتهي بامتحان..لقياس مدى استيعابنا للمعلومات الثمينة التي تعلمناها..والخبرات الأكثر ثمنا التي مارسناها..!! كأن هذا ماينقصني..!! بعد انتهاء التدريب –أخيرا- قلت لنفسي وأنا أتنفس الصعداء: انتهى العذاب.. ثم فوجئت بمن يخبرني بأن هناك امتحان ما..للتقييم.. اللعنة.. من أين آتي بالمعلومات التي أجيب بها وأنا لا أتذكر –تقريبا- حرفا واحدا..إلا أشياء مثيرة للغثيان.. من أين آتي بإجابة..وأنا الذي جلست صامتا..مبتسما ابتسامة بلهاء في لجان الامتحان الشفوي في السنة السادسة لمادة النساء والتوليد..؟! حاولت أن أتذكر أي شيء.. أقراص..أقراص منع الحمل..نعم..ثمانية وعشرون..تبدأ في يوم انتهاء الدورة..وتوقف أيامها..أعتقد ذلك..ثم تعود إليها.. قرص في حالة الطواري بعد اللقاء..لا قبله..لكن لو كانت قبله لما كانت طواريء أصلا..!! قرص بعدها مباشرة..أعتقد ذلك..وقرص آخر بعد أربعة وعشرون ساعة..؟ لا أتذكر.. هناك الكبسولة طويلة المفعول..توضع تحت الجلد..لمدة خمس سنوا...

مشتول السوق..وحدة المنير..12

بلبيس.. المركز الطبي.. 11 – 5 – 2009  -  12:30 ظهرا.. هذه رشوة ياصديقي.. شئت أم أبيت.. سميتها باسمها..أو استخدمت اسما آخر كناية عنها.. شركات الأدوية تقوم بتقديم هذه الرشاوى المنتظمة أحيانا والمتقطعة أحيانا أخرى للأطباء.. ليس السبب طبعا احتراما وتقديرا لهم.. بل لحثهم على كتابة منتجات بعينها..لزيادة مبيعات الشركة.. عينات اللأدوية..امساكيات..دفاتر الروشتات..أقلام..أجهزة طبية والكترونية..رحلات ضاهرها علمية..وباطنها ترفيهية للطبيب وأسرته.. في ظل هذه الظروف الصعبة التي نحيا فيها..والتي يجد فيها شباب الأطباء أنفسهم مجبورين عليها.. لن تكون هناك ممانعة كيرة في الحقيقة لتقبل هذه الرشوة..ولو على سبيل الرضا الوقتي.. حتى لو رفضت الدواء.. سيظل هناك..يعبث في عقلك اللا واعي.. وينتظر اللحظة المناسبة للتعبير عن نفسه.. *-*-* أسوا رشوة ممكنة..هي تلك التي يضعونها في معدتك.. وجبة ما من مطعم شهير..بعد ندوة قصيرة عن دواء ما..لا تركز في اسمه بقدر تركيزك في اسم المطعم.. أو دعوة للغداء عقب مؤتمر ما في فندق ما.. ولكي تفهم التناسب بين قيمة الرشوة..وقيمة الشخص الذي أمامك..يجب أن تقو...

مشتول السوق..وحدة المنير..11

بلبيس.. المركز الطبي.. 10 – 5 – 2009  -  10:30 صباحا.. مرة أخرى..أستمتع أنا بالغباء البشري في مركز رعاية الأمومة هنا.. يقولون أنني طبيب رعاية أساسية.. وهذا يشمل التعامل مع الأطفال من تطعيم وأمراض وخلافه.. وكذلك النساء والتوليد ومايصاحبها من تنظيم الأسرة.. هذا هو ملخص طب الأسرة لو أضفت إليه بعض الأمراض الأولية غير المتخصصة بالباطنة أو الصدر أو الجراحات البسيطة التي لا تطلب تخديرا.. من المفترض أنه كان هناك مشروعا طموحا..أن يحصل كل طبيب تكليف على زمالة طب الأسرة في الفترة التي يقضيها قبل التخصص..على الأقل جزء منها..تجعل منه ممارسا عاما يصلح لاكتشاف الأمراض والتعامل مع الحالات الأولى..وتحويل مايلزم منها للأطباء الأكثر تخصصا.. أما مايحدث هنا..فهو الغباء بعينه.. جزء جديد من منظومة الفوضى التي تضرب أطنابها بكل مكان.. هناك دورة ما لأساسيات تنظيم الأسرة..ووسائل منع الحمل..تحديدا تركيب اللولب على أساس أنه الأكثر طلبا بين المترددات هنا.. هالالويا.. ابعثوا إذن ببعض الحمقى ليكتسبوا بعض الخبرات..تصلح للتعامل مع بعض الحالات.. هكذا..بلا أي نظام.. دعك من أزمتي القديمة, وكراه...

مشتول السوق..وحدة المنير..10

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009  -  12:00 بعد منتصف الليل.. جاء الأخ مراقب الصحة الذي سيبيت ليلته هنا في ذات الإدارة.. جلس على المكتب المجاور..بينما كنت أجلس أنا ذات الجلسة.. أكتب يومياتي.. كان العامل بالأسفل في القهوة المقابلة..بعدما أغلق الباب الرئيسي للإدارة.. في الحقيقة..كنت مشفقا عليه.. لست أنا أبدا الشخص الذي تحب صحبته في المرة الأولى.. شخص لايدخن..ولا يشرب المكيفات بكثرة..ولايشجع فريق الأهلي..ولا يتابع مباريات الكرة من أصله..غير متزوج..ولايحب سيرة البنات إياها..والنكت إياها..والضحكات إياها.. شخص يرتدي نظارة كبيرة..ويحمل مجلة العربي..والكثير من الأوراق..وأمله أن يتخصص بالطب النفسي.. شخص بدأ يتابع شرارات المعارضة لنظام مبارك..وبدأ يرى في أيمن نور..ورفيقة كفاحه..السيدة الأسطورية جميلة اسماعيل نموذجا يحتذى في المقاومة.. "كنا على أعتاب تغيير..رياح تعصف بالمنطقة بعد حربين..استفتاء لتغيير الدستور..انتخابات رئاسية متعددة..حركة كفاية في أوجها..تيار اضراب ستة ابريل..والقلة المندسة بدأ في الظهور بقوة.." شخص متوحد في عالمه..متحفظ لأقصى درجة..بابتسامة م...

مشتول السوق..وحدة المنير..9

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009  -  10:30 مساءً.. من بعد أذان العصر..بدأ النوم في مداعبة جفوني..وعند أذان المغرب..قررت أن أتوقف عن المقاومة.. ذكرني ذلك الشخص السخيف الماثل بعقلي بقرار سابق  بأنني لن أنام.. حاولت تجاهله..لكنه أخبرني أن هذا ضد مبادئي.. قذفته بفردة حذائي اليمنى..وأنا أسبه..هو ومبادئي ومدير الإدارة والمحافظة والوزير والوزارة وكل مايمت للكرة الأرضية بصلة.. عندها..توقف عن المجادلة..واختبأ تحت المكتب كاتما غيظه..وأمنياته بأن أحترق في نار جهنم.. (أنا كنت أخرف..) مستلقيا على السرير الحقير..بمرتبته..ووسادته –بعد أن وضعت جاكتتي عليها لتحول دون ملمسها وجلد وجهي- والتي يبدو أنهم قاموا بتنجيدها بالأحجار.. اطفأت النور.. كنت مرهقا.. من توتر وتحفز دائمين طوال اليوم..بالإضافة للخبرات المريعة التي مررت بها في يوم واحد.. فأغلقت عيني..وبدأت أنسحب بهدوء.. لكن دقائق قليلة..وكان هناك شيء على غير مايرام.. أزيز..أزيز مستمر..لا يفلح فيه هش ولا نش.. بعوض..!! أي بعوض لعين هذا الذي يصدر مثل هذا الطنين..؟! وكأنه مستعمرة بأكملها..تحتفل بجسد طبيب شاب نقي، ...

مشتول السوق..وحدة المنير..8

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009  -  3:00 عصرا.. حينما رن جرس الهاتف..لم أتوقع هذا أبدا.. في البداية..لم أفهم.. ثم بعض الوقت..وحين فهمت..لم أعد أشعر بأي شيء آخر إلا الذعر..!! *-*-* شخص ما..عرف نفسه بأنه فلان الفلاني من مركز الشرطة.. -نعم..؟ -عايزين الدكتور هنا شوية.. -نعم..؟؟ فيه حالة مسجون عنده مشكلة..وعايزينه يكشف عليه.. -نعم..؟؟؟ كنت أشعر بالذعر.. لا من الشرطة..والوضع الغامض الذي يحيط بها..بل من هذا الموقف ذاته.. "في تلك الأيام..لم أدخل قسم البوليس أبدا إلا من أجل استخراج البطاقة الانتخابية..وتعديل المقر الانتخابي..فقط لا غير.. أيام سعيدة حقا.." حاولت التنصل بأي شكل.. من انا لأولى مسؤولية مثل تلك..؟! قلت أنني لوحدي هنا..وأنه ليس لدي أدوات للكشف الطبي أصلا..ثم أنا لا أعرف هذا المركز اللعين أين يقع.. لكنه –ذلك الوغد- قال أن المسألة لن تأخذ وقتا..وأن نظرة واحدة من سيادتك "يقصدني أنا" تكفي..وأنه سيبعث أحدا ليأخذني..!! حاولت تخيل الموقف.. سيارة شرطة تقلني في صندوقها الخلفي كمجرم مشبوه.. كأن هذا ماينقصني في هذه البلدة اللعينة...

مشتول السوق..وحدة المنير..7

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009   2:00 ظهرا.. أذان الجمعة.. في وقت من الأوقات..كنت أحافظ على الصلاة في المسجد طول الوقت.. كنت أكثر هدوءا وطمأنينة وطيبة أكثر من الآن.. ثم بدأت أبتعد بعض الشيء.. كان هناك شيء بداخلي حين أسمع خطبة الجمعة..يرفض مايقال.. لدي قناعة داخلية بأن هذا الكلام ماهو إلا مضيعة للوقت.. أي شخص يعتلي المنبر..يتحدث ببعض الكلمات..يقرأ بعض الآيات..ثم لاشيء.. هل هذه صلاة..؟! لا بأس.. فليصلوا إذن..! *-*-* قلت لمن معي أن يذهبوا للصلاة..وبقيت أنا وحيدا.. ماشاء الله..يبدو الايمان والتقوى على وجهيهما..!! وبقيت أنا.. أقرأ..أكتب..أذاكر.. وأأكل أيضا.. فلم أكن قد تناولت شيئا منذ الصباح.. *-*-* في هذه الجلسة الهادئة..دخل علي شخصين..لو أردت وصفهما لاختصرته في كلمتين: من مواطني البلد المحليين.. قال لي أحدهما..يوجد حالة وفاة.. ثم صمت..!! لو كنت أدركت تعبير الممثل "محمد سعد" في فيلم "اللي بالي بالك"..حين كان من أمامه يتحدث بلغة لا يفهمها.. كان يفتح فمه ببلاهة..قائلا: نعم..؟! أنا كنت هذا الشخص.. كنت صامتا..أنتظر توضيحا ما....

مشتول السوق..وحدة المنير..6

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009  -  12:20 صباحا.. هو يوم جمعة..وأنا هنا منذ العاشرة صباحا تقريبا.. لكني أقضيه هنا بأوامر مشددة من السيد وزير الصحة.. أقضي الوقت مستمتعا بالفراغ.. لا أقصدني أنا على وجه الدقة..لكني بصفتي طبيب تكليف في الأرياف.. مستعبد من قبل وزارة الصحة..ومديرية الصحة بالشرقية..وتابعتها الإدارة الصحية بمشتول السوق.. فرض الرجل هذا الوضع نظرا لحالة الطواريء العامة بشأن الانفلونزا المنتظر تحولها لوباء..بنوعيها.زالطيور والخنازير.. القرار يقضي ببقاء طبيب التكليف في الإدارة الصحية على مدار الساعة.. ويقوم بإبلاغ المديرية فورا عن أي حالة اشتباه..ومنها للجهات المختصة.. المسؤولية كبيرة..وهذا عمل وطني جليل.. نحن في حرب ياصديقي.. وأنت تشارك فيها رغما عنك.. *-*-* قبل ان تأخذك الجلالة وتتصور أنك فعلا أصبح لك قيمة ما..لنتخيل الأمر بالتدريج.. هل تتخيل المكان الذي تجلس فيه الآن..؟ هل تتخيل التعليمات المشددة..؟! ربما كنت لتمثل دورك بشكل أفضل لو كان الفعل على ذات مستوى أهمية الأوامر..ياصديقي..!! لكني في النهاية ترس صغير.. لا أستطيع إهمال الحضور....

مشتول السوق..وحدة المنير..5

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 6 – 5 – 2009  -  11:30 صباحا.. سيقول البعض: ربما هو غضب من الله.. وربما هو عذاب أشد من عذاب الأوبئة السبعة التي أحاقت بمصر بسبب طغيان الدولة.. إذ أن تلك الأوبئة لم تعد تجدي.. وربما هو مانستحق في النهاية.. *-*-* كنت أتماسك بصعوبة بالغة.. وأكتم ضحكاتي بمعجزة ما.. لا أدري حقا مالذي دهاني.. المفترض ان هذه ندوة توعية..تتحدث عن مرض جديد يدعى "انفلونزا الخنازير".. فيروس يسبب الانفلونزا..ويصيب حيوانات الخنازير..فجأة..أصبح شرسا كفاية ليهاجم البشر.. البشر الذين لم يتعود جهازهم المناعي على مواجهة فيروس أحمق كهذا ضل طريقه..فتتهاوى دفاعاتهم سريعا..ويجعلهم يركضون للموت بخطوات واسعة.. المفترض أن تكون هذه ندوة للتوعية..بأن وباء كهذا..قادر -لو استفحل الأمر- على إبادة قرى بأكملها..كما حدث سابقا في أوبئة مماثلة في العالم كله.. لكن لأننا في مصر..وحيث يجب أن يتخذ الوباء الطريق المعروف المليء بالأوراق والدمغات والأختام و"ادفع في الخزنة" لكي يصبح وباءا فعالا..وقادرا على إبادة قرى بأكملها –يارب..لتكن هذه القرى أولها- ولكي تعترف الحكومة بأنه ...

مشتول السوق..وحدة المنير..4

بلبيس.. المركز الطبي.. 5 – 5 – 2009  -  11:15 صباحا.. جاءت إشارة بانتدابي لما يسمى بالمركز الطبي..لأقرب مركز كبير لنا..وهو مركز مدينة بلبيس.. كلمة إشارة هذه كلمة عتيقة للغاية..تعود لأيام الحكومة..ومعاون النيابة..والبيه المأمور..والباشا الحكيم..والجهادية..والميري..والمليم..إلخ.. تشعرك بالأهمية البالغة..والخطورة العظيمة.. "الحرب قائمة..ونحن نبعث بإشارة ما..يكمل الرجل في صرامة وحزم: نفذ.." كلمة من أعمق ثنايا التاريخ..عندما كان كل شيء في الدولة نابعا من وعائدا إلى الجيش.. أطباء الجيش..موظفي الجيش..تموين الجيش..إلخ.. وعنما بدأت الدولة في النمو..بدأت من هذه البذرة..وتشعبت أفرعها وجذورها في كامل البلد.. حتى أن كلمة "الميري" هذه تمطت على الدولة كلها..ولم تعد قاصرة على الجيش وحده.. ليكن..دعنا من كلمة الإشارة..ولندخل في التفاصيل.. إشارة..للتنبيه على الطبيب فلان الفلاني..بحضور دور تدريبية في وسائل تنظيم الأسرة في مركز ...... وذلك يومين أسبووعيا الأحد والثلاثاء بدءا من....ولمدة شهر..مع خالص التحية.. ولأننا جنود في معركة كبرى.. معركة مصيرية يتحدد فيها مصير البلد ...

مشتول السوق..وحدة المنير..3

مشتول السوق.. الوحدة الصحية بقرية المنير.. أيام مجمعة..أوقات مختلفة مكررة.. فراغ.. فراغ عميق.. حينما عدت لأنسخ أحداث تلك الفترة..لم أجد سوى وريقة صغيرة..منزوعة من ملف تذاكر الكشف بالوحدة.. الورقة الخضراء التي بقي نصفها شاهدا على جريمتي تلك..ليست نسخة الورقة البيضاء التي استلمها المواطن ليأخذ بها الدواء..ليست النسخة الزرقاء الذي استلمها ليحتفظ بها لنفسه..إذ ربما يستفيد منها لاحقا.. اين ذهبت باقي الأوراق..؟! *-*-* "-الاستلام في الوحدة.. -الاستلام في الإدارة.. -الاستلام في الوحدة.. -أول يوم عمل.. -ثاني يوم عمل.. -أول نوبتجية عمل.. -النوبتجية الثانية الأحد 2/5.. أول اجتماع مع مدير الإدارة.. -المركز الطبي ببلبيس..5/5 الثلاثاء.. نوبتجية العمل الثالثة 5/5 الثلاثاء.. *-*-* في اجتماع مدير الإدارة.. كلام سخيف معاد..من نوعية الالتزام بالحضور..مراعاة العمل..تنفيذ التعليمات..كلنا لها..أنا عبد المأمور..كلنا كذلك.. مشاكل الوحدات..مشاكل أبدية..مشاكل لاقبل لنا بها..مشاكل بلا حلول..ولو وجدت الحلول..لن ننفذها..ولو نفذناها..لن نفعل هذا بالطريقة الصحيحة..ولو نفذناها بالط...

مشتول السوق..وحدة المنير..2

مشتول السوق.. الوحدة الصحية بقرية المنير.. أيام مجمعة..أوقات مختلفة مكررة.. استقر بي المقام هنا.. في شقة سكنية حقيرة..في عمارة متخلفة..أسفلها زاوية تقام فيها الصلوات..هروبا من الدنيا..وبحثا عن الآخرة الموعودة.. أيام السبت والاثنين والأربعاء هي أيام حضوري هنا..وذلك حسب الاتفاق الودي بيني وبين مدير الوحدة..طبيبة البلدة..الدكتورة بنت أبو فلان.. جزء من منظومة فاسدة..تصنعها الحكومة باستمرار..لتمكين المسرحية العبثية الخاصة بالعلاج المجاني.. وكجزء من وضع رقبة الطبيب تحت المقصلة..بلا عمل حقيقي يقدمه..وبأسلوب يقضي على أي رغبة محترمة في تقديم أي مساعدة.. يختزل الطب في مجموعة من القوارير والبراشيم واللوالب والعوازل الطبية..ويختزل البشر في مجموعة من القوائم مثبتة في الأوراق.. ويختزل الطبيب في صورة موظف مستكين..يقضي ساعات العمل بروتينية صماء.. منظومة كاملة من العبث..ومن الفشل والافشال المتبادل.. منظومة ارهاب وترهيب..كجزء ورثته عن سابقتها..من نظام لم يكن يدرك إلا أسفل قدميه.. صنع أجيالا كاملة بهذا الفساد المستشري في كل مكان.. فساد لم ينج منه أحد..إلا وانتهى به الأمر في سراي المجانين.....

مشتول السوق..وحدة المنير..1

مشتول السوق.. الوحدة الصحية بقرية "المنير".. 21 – 4 – 2009  -  12:15 ظهرا.. لا بد أنني أحيا في كابوس مرة أخرى..!! لكن لا..بالتأكيد لا.. الكوابيس مهما وصلت لمراحل الخيال المبهمة..لن تكون أبدا بهذه البشاعة.. أفق أرجوك ياصديقي.. أفق.. وانج بنفسك..!! *-*-* هالالويا.. هذه هي الوحدة الصحية يافتى.. شقة سكنية..في مبنى لا يختلف كثيرا عن ذلك المبنى البشع الذي يقطن فيه مكتب الصحة.. ربما يكون كثر قدما بعض الشيء.. لكنه هو..بذات بشاعته وخلوه من أي ذوق فني..بضيق شارعه..بعشوائيته.. هو بعينه بغباوته.. لكن الخبر المفرح هنا.. مسجد صغير..زاوية بمعنى أصح..في الدور الأرضي في مدخل المبنى.. هالالويا.. لقد خسرت الدنيا..وفزت بآخرتك فيما يبدو ياصديقي.. *-*-* الصعود عملية صعبة في حياة أي انسان.. وخاصة ذلك الانسان الذي يصعد سلما في طريقه لوحدة صحية.. تظل تصعد..وتصعد.. الصعود هنا مختلف عن "الارتقاء"..الذي يأتي تصريفا كمصدر لكلمة "رقي".. السلم الضيق الذي لايقل بشاعة عن المدخل.. ومكتب حكومي الخاص بالتأمين أو المعاشات أو الضرائب أو أي شيء لعين آخر تملكه الحك...

التكليف..الإدارة..7

   مشتول السوق.. في الطريق إلى وحدة "المنير".. 21 – 4 – 20019  -  11:00 صباحا.. بعد انتهاء مقابلتي مع مدير الإدارة لم أفهم جديا مالذي حدث.. تحول الرجل فجأة لشخص آخر..غير ذلك الذي كان يعدني بالجنة ونعيمها.. قال لي في صرامة: كفاية دلع بقى يادكتور..انت اتدلعت كتير..وجه وقت الشغل.. ثم أردف قائلا: هتروح وحدة "المُنيَّر".."بضم الميم وتشديد الياء..وإن كان أهلها ينطقونها بكسر الميم أيضا"..وحدة جديدة ونضيفة..وهاتدلع هناك برضه..! لم أفهم الحقيقة أي أنواع الدلع تلك التي يتمنن بها علي.. لم أطلبها..ولم أنلها أصلا.. يبدو أن هناك مفهوما آخر للمعاملة هنا.. خرجت من الإدارة..وبشكل أعجز عن فهمه مرة أخرى..قررت أن أذهب لهذه الوحدة.. ربما أجد سبيلا للفهم هناك.. *-*-* بلدة أخرى من تلك البلدان التي تحركت على طريق شبه الحداثة-العشوائية.. عبرت من كونها عزبة إلى قرية ولم تصل بعد إلى مفهوم البلدة.. لن أجد بها مطعما..وإن كنت ساجد بها محلا لبيع الطعام الجاهز البسيط..فول وطعمية وباذنجان مخلل.. بالتأكيد لن أجد فيها فرعا من فروع حاتي "محل كباب وكفتة" مثلا..أو...