المشاركات

مشتول السوق..وحدة المنير..11

بلبيس.. المركز الطبي.. 10 – 5 – 2009  -  10:30 صباحا.. مرة أخرى..أستمتع أنا بالغباء البشري في مركز رعاية الأمومة هنا.. يقولون أنني طبيب رعاية أساسية.. وهذا يشمل التعامل مع الأطفال من تطعيم وأمراض وخلافه.. وكذلك النساء والتوليد ومايصاحبها من تنظيم الأسرة.. هذا هو ملخص طب الأسرة لو أضفت إليه بعض الأمراض الأولية غير المتخصصة بالباطنة أو الصدر أو الجراحات البسيطة التي لا تطلب تخديرا.. من المفترض أنه كان هناك مشروعا طموحا..أن يحصل كل طبيب تكليف على زمالة طب الأسرة في الفترة التي يقضيها قبل التخصص..على الأقل جزء منها..تجعل منه ممارسا عاما يصلح لاكتشاف الأمراض والتعامل مع الحالات الأولى..وتحويل مايلزم منها للأطباء الأكثر تخصصا.. أما مايحدث هنا..فهو الغباء بعينه.. جزء جديد من منظومة الفوضى التي تضرب أطنابها بكل مكان.. هناك دورة ما لأساسيات تنظيم الأسرة..ووسائل منع الحمل..تحديدا تركيب اللولب على أساس أنه الأكثر طلبا بين المترددات هنا.. هالالويا.. ابعثوا إذن ببعض الحمقى ليكتسبوا بعض الخبرات..تصلح للتعامل مع بعض الحالات.. هكذا..بلا أي نظام.. دعك من أزمتي القديمة, وكراه...

مشتول السوق..وحدة المنير..10

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009  -  12:00 بعد منتصف الليل.. جاء الأخ مراقب الصحة الذي سيبيت ليلته هنا في ذات الإدارة.. جلس على المكتب المجاور..بينما كنت أجلس أنا ذات الجلسة.. أكتب يومياتي.. كان العامل بالأسفل في القهوة المقابلة..بعدما أغلق الباب الرئيسي للإدارة.. في الحقيقة..كنت مشفقا عليه.. لست أنا أبدا الشخص الذي تحب صحبته في المرة الأولى.. شخص لايدخن..ولا يشرب المكيفات بكثرة..ولايشجع فريق الأهلي..ولا يتابع مباريات الكرة من أصله..غير متزوج..ولايحب سيرة البنات إياها..والنكت إياها..والضحكات إياها.. شخص يرتدي نظارة كبيرة..ويحمل مجلة العربي..والكثير من الأوراق..وأمله أن يتخصص بالطب النفسي.. شخص بدأ يتابع شرارات المعارضة لنظام مبارك..وبدأ يرى في أيمن نور..ورفيقة كفاحه..السيدة الأسطورية جميلة اسماعيل نموذجا يحتذى في المقاومة.. "كنا على أعتاب تغيير..رياح تعصف بالمنطقة بعد حربين..استفتاء لتغيير الدستور..انتخابات رئاسية متعددة..حركة كفاية في أوجها..تيار اضراب ستة ابريل..والقلة المندسة بدأ في الظهور بقوة.." شخص متوحد في عالمه..متحفظ لأقصى درجة..بابتسامة م...

مشتول السوق..وحدة المنير..9

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009  -  10:30 مساءً.. من بعد أذان العصر..بدأ النوم في مداعبة جفوني..وعند أذان المغرب..قررت أن أتوقف عن المقاومة.. ذكرني ذلك الشخص السخيف الماثل بعقلي بقرار سابق  بأنني لن أنام.. حاولت تجاهله..لكنه أخبرني أن هذا ضد مبادئي.. قذفته بفردة حذائي اليمنى..وأنا أسبه..هو ومبادئي ومدير الإدارة والمحافظة والوزير والوزارة وكل مايمت للكرة الأرضية بصلة.. عندها..توقف عن المجادلة..واختبأ تحت المكتب كاتما غيظه..وأمنياته بأن أحترق في نار جهنم.. (أنا كنت أخرف..) مستلقيا على السرير الحقير..بمرتبته..ووسادته –بعد أن وضعت جاكتتي عليها لتحول دون ملمسها وجلد وجهي- والتي يبدو أنهم قاموا بتنجيدها بالأحجار.. اطفأت النور.. كنت مرهقا.. من توتر وتحفز دائمين طوال اليوم..بالإضافة للخبرات المريعة التي مررت بها في يوم واحد.. فأغلقت عيني..وبدأت أنسحب بهدوء.. لكن دقائق قليلة..وكان هناك شيء على غير مايرام.. أزيز..أزيز مستمر..لا يفلح فيه هش ولا نش.. بعوض..!! أي بعوض لعين هذا الذي يصدر مثل هذا الطنين..؟! وكأنه مستعمرة بأكملها..تحتفل بجسد طبيب شاب نقي، ...

مشتول السوق..وحدة المنير..8

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009  -  3:00 عصرا.. حينما رن جرس الهاتف..لم أتوقع هذا أبدا.. في البداية..لم أفهم.. ثم بعض الوقت..وحين فهمت..لم أعد أشعر بأي شيء آخر إلا الذعر..!! *-*-* شخص ما..عرف نفسه بأنه فلان الفلاني من مركز الشرطة.. -نعم..؟ -عايزين الدكتور هنا شوية.. -نعم..؟؟ فيه حالة مسجون عنده مشكلة..وعايزينه يكشف عليه.. -نعم..؟؟؟ كنت أشعر بالذعر.. لا من الشرطة..والوضع الغامض الذي يحيط بها..بل من هذا الموقف ذاته.. "في تلك الأيام..لم أدخل قسم البوليس أبدا إلا من أجل استخراج البطاقة الانتخابية..وتعديل المقر الانتخابي..فقط لا غير.. أيام سعيدة حقا.." حاولت التنصل بأي شكل.. من انا لأولى مسؤولية مثل تلك..؟! قلت أنني لوحدي هنا..وأنه ليس لدي أدوات للكشف الطبي أصلا..ثم أنا لا أعرف هذا المركز اللعين أين يقع.. لكنه –ذلك الوغد- قال أن المسألة لن تأخذ وقتا..وأن نظرة واحدة من سيادتك "يقصدني أنا" تكفي..وأنه سيبعث أحدا ليأخذني..!! حاولت تخيل الموقف.. سيارة شرطة تقلني في صندوقها الخلفي كمجرم مشبوه.. كأن هذا ماينقصني في هذه البلدة اللعينة...

مشتول السوق..وحدة المنير..7

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009   2:00 ظهرا.. أذان الجمعة.. في وقت من الأوقات..كنت أحافظ على الصلاة في المسجد طول الوقت.. كنت أكثر هدوءا وطمأنينة وطيبة أكثر من الآن.. ثم بدأت أبتعد بعض الشيء.. كان هناك شيء بداخلي حين أسمع خطبة الجمعة..يرفض مايقال.. لدي قناعة داخلية بأن هذا الكلام ماهو إلا مضيعة للوقت.. أي شخص يعتلي المنبر..يتحدث ببعض الكلمات..يقرأ بعض الآيات..ثم لاشيء.. هل هذه صلاة..؟! لا بأس.. فليصلوا إذن..! *-*-* قلت لمن معي أن يذهبوا للصلاة..وبقيت أنا وحيدا.. ماشاء الله..يبدو الايمان والتقوى على وجهيهما..!! وبقيت أنا.. أقرأ..أكتب..أذاكر.. وأأكل أيضا.. فلم أكن قد تناولت شيئا منذ الصباح.. *-*-* في هذه الجلسة الهادئة..دخل علي شخصين..لو أردت وصفهما لاختصرته في كلمتين: من مواطني البلد المحليين.. قال لي أحدهما..يوجد حالة وفاة.. ثم صمت..!! لو كنت أدركت تعبير الممثل "محمد سعد" في فيلم "اللي بالي بالك"..حين كان من أمامه يتحدث بلغة لا يفهمها.. كان يفتح فمه ببلاهة..قائلا: نعم..؟! أنا كنت هذا الشخص.. كنت صامتا..أنتظر توضيحا ما....

مشتول السوق..وحدة المنير..6

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 8 – 5 – 2009  -  12:20 صباحا.. هو يوم جمعة..وأنا هنا منذ العاشرة صباحا تقريبا.. لكني أقضيه هنا بأوامر مشددة من السيد وزير الصحة.. أقضي الوقت مستمتعا بالفراغ.. لا أقصدني أنا على وجه الدقة..لكني بصفتي طبيب تكليف في الأرياف.. مستعبد من قبل وزارة الصحة..ومديرية الصحة بالشرقية..وتابعتها الإدارة الصحية بمشتول السوق.. فرض الرجل هذا الوضع نظرا لحالة الطواريء العامة بشأن الانفلونزا المنتظر تحولها لوباء..بنوعيها.زالطيور والخنازير.. القرار يقضي ببقاء طبيب التكليف في الإدارة الصحية على مدار الساعة.. ويقوم بإبلاغ المديرية فورا عن أي حالة اشتباه..ومنها للجهات المختصة.. المسؤولية كبيرة..وهذا عمل وطني جليل.. نحن في حرب ياصديقي.. وأنت تشارك فيها رغما عنك.. *-*-* قبل ان تأخذك الجلالة وتتصور أنك فعلا أصبح لك قيمة ما..لنتخيل الأمر بالتدريج.. هل تتخيل المكان الذي تجلس فيه الآن..؟ هل تتخيل التعليمات المشددة..؟! ربما كنت لتمثل دورك بشكل أفضل لو كان الفعل على ذات مستوى أهمية الأوامر..ياصديقي..!! لكني في النهاية ترس صغير.. لا أستطيع إهمال الحضور....

مشتول السوق..وحدة المنير..5

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 6 – 5 – 2009  -  11:30 صباحا.. سيقول البعض: ربما هو غضب من الله.. وربما هو عذاب أشد من عذاب الأوبئة السبعة التي أحاقت بمصر بسبب طغيان الدولة.. إذ أن تلك الأوبئة لم تعد تجدي.. وربما هو مانستحق في النهاية.. *-*-* كنت أتماسك بصعوبة بالغة.. وأكتم ضحكاتي بمعجزة ما.. لا أدري حقا مالذي دهاني.. المفترض ان هذه ندوة توعية..تتحدث عن مرض جديد يدعى "انفلونزا الخنازير".. فيروس يسبب الانفلونزا..ويصيب حيوانات الخنازير..فجأة..أصبح شرسا كفاية ليهاجم البشر.. البشر الذين لم يتعود جهازهم المناعي على مواجهة فيروس أحمق كهذا ضل طريقه..فتتهاوى دفاعاتهم سريعا..ويجعلهم يركضون للموت بخطوات واسعة.. المفترض أن تكون هذه ندوة للتوعية..بأن وباء كهذا..قادر -لو استفحل الأمر- على إبادة قرى بأكملها..كما حدث سابقا في أوبئة مماثلة في العالم كله.. لكن لأننا في مصر..وحيث يجب أن يتخذ الوباء الطريق المعروف المليء بالأوراق والدمغات والأختام و"ادفع في الخزنة" لكي يصبح وباءا فعالا..وقادرا على إبادة قرى بأكملها –يارب..لتكن هذه القرى أولها- ولكي تعترف الحكومة بأنه ...

مشتول السوق..وحدة المنير..4

بلبيس.. المركز الطبي.. 5 – 5 – 2009  -  11:15 صباحا.. جاءت إشارة بانتدابي لما يسمى بالمركز الطبي..لأقرب مركز كبير لنا..وهو مركز مدينة بلبيس.. كلمة إشارة هذه كلمة عتيقة للغاية..تعود لأيام الحكومة..ومعاون النيابة..والبيه المأمور..والباشا الحكيم..والجهادية..والميري..والمليم..إلخ.. تشعرك بالأهمية البالغة..والخطورة العظيمة.. "الحرب قائمة..ونحن نبعث بإشارة ما..يكمل الرجل في صرامة وحزم: نفذ.." كلمة من أعمق ثنايا التاريخ..عندما كان كل شيء في الدولة نابعا من وعائدا إلى الجيش.. أطباء الجيش..موظفي الجيش..تموين الجيش..إلخ.. وعنما بدأت الدولة في النمو..بدأت من هذه البذرة..وتشعبت أفرعها وجذورها في كامل البلد.. حتى أن كلمة "الميري" هذه تمطت على الدولة كلها..ولم تعد قاصرة على الجيش وحده.. ليكن..دعنا من كلمة الإشارة..ولندخل في التفاصيل.. إشارة..للتنبيه على الطبيب فلان الفلاني..بحضور دور تدريبية في وسائل تنظيم الأسرة في مركز ...... وذلك يومين أسبووعيا الأحد والثلاثاء بدءا من....ولمدة شهر..مع خالص التحية.. ولأننا جنود في معركة كبرى.. معركة مصيرية يتحدد فيها مصير البلد ...

مشتول السوق..وحدة المنير..3

مشتول السوق.. الوحدة الصحية بقرية المنير.. أيام مجمعة..أوقات مختلفة مكررة.. فراغ.. فراغ عميق.. حينما عدت لأنسخ أحداث تلك الفترة..لم أجد سوى وريقة صغيرة..منزوعة من ملف تذاكر الكشف بالوحدة.. الورقة الخضراء التي بقي نصفها شاهدا على جريمتي تلك..ليست نسخة الورقة البيضاء التي استلمها المواطن ليأخذ بها الدواء..ليست النسخة الزرقاء الذي استلمها ليحتفظ بها لنفسه..إذ ربما يستفيد منها لاحقا.. اين ذهبت باقي الأوراق..؟! *-*-* "-الاستلام في الوحدة.. -الاستلام في الإدارة.. -الاستلام في الوحدة.. -أول يوم عمل.. -ثاني يوم عمل.. -أول نوبتجية عمل.. -النوبتجية الثانية الأحد 2/5.. أول اجتماع مع مدير الإدارة.. -المركز الطبي ببلبيس..5/5 الثلاثاء.. نوبتجية العمل الثالثة 5/5 الثلاثاء.. *-*-* في اجتماع مدير الإدارة.. كلام سخيف معاد..من نوعية الالتزام بالحضور..مراعاة العمل..تنفيذ التعليمات..كلنا لها..أنا عبد المأمور..كلنا كذلك.. مشاكل الوحدات..مشاكل أبدية..مشاكل لاقبل لنا بها..مشاكل بلا حلول..ولو وجدت الحلول..لن ننفذها..ولو نفذناها..لن نفعل هذا بالطريقة الصحيحة..ولو نفذناها بالط...

مشتول السوق..وحدة المنير..2

مشتول السوق.. الوحدة الصحية بقرية المنير.. أيام مجمعة..أوقات مختلفة مكررة.. استقر بي المقام هنا.. في شقة سكنية حقيرة..في عمارة متخلفة..أسفلها زاوية تقام فيها الصلوات..هروبا من الدنيا..وبحثا عن الآخرة الموعودة.. أيام السبت والاثنين والأربعاء هي أيام حضوري هنا..وذلك حسب الاتفاق الودي بيني وبين مدير الوحدة..طبيبة البلدة..الدكتورة بنت أبو فلان.. جزء من منظومة فاسدة..تصنعها الحكومة باستمرار..لتمكين المسرحية العبثية الخاصة بالعلاج المجاني.. وكجزء من وضع رقبة الطبيب تحت المقصلة..بلا عمل حقيقي يقدمه..وبأسلوب يقضي على أي رغبة محترمة في تقديم أي مساعدة.. يختزل الطب في مجموعة من القوارير والبراشيم واللوالب والعوازل الطبية..ويختزل البشر في مجموعة من القوائم مثبتة في الأوراق.. ويختزل الطبيب في صورة موظف مستكين..يقضي ساعات العمل بروتينية صماء.. منظومة كاملة من العبث..ومن الفشل والافشال المتبادل.. منظومة ارهاب وترهيب..كجزء ورثته عن سابقتها..من نظام لم يكن يدرك إلا أسفل قدميه.. صنع أجيالا كاملة بهذا الفساد المستشري في كل مكان.. فساد لم ينج منه أحد..إلا وانتهى به الأمر في سراي المجانين.....

مشتول السوق..وحدة المنير..1

مشتول السوق.. الوحدة الصحية بقرية "المنير".. 21 – 4 – 2009  -  12:15 ظهرا.. لا بد أنني أحيا في كابوس مرة أخرى..!! لكن لا..بالتأكيد لا.. الكوابيس مهما وصلت لمراحل الخيال المبهمة..لن تكون أبدا بهذه البشاعة.. أفق أرجوك ياصديقي.. أفق.. وانج بنفسك..!! *-*-* هالالويا.. هذه هي الوحدة الصحية يافتى.. شقة سكنية..في مبنى لا يختلف كثيرا عن ذلك المبنى البشع الذي يقطن فيه مكتب الصحة.. ربما يكون كثر قدما بعض الشيء.. لكنه هو..بذات بشاعته وخلوه من أي ذوق فني..بضيق شارعه..بعشوائيته.. هو بعينه بغباوته.. لكن الخبر المفرح هنا.. مسجد صغير..زاوية بمعنى أصح..في الدور الأرضي في مدخل المبنى.. هالالويا.. لقد خسرت الدنيا..وفزت بآخرتك فيما يبدو ياصديقي.. *-*-* الصعود عملية صعبة في حياة أي انسان.. وخاصة ذلك الانسان الذي يصعد سلما في طريقه لوحدة صحية.. تظل تصعد..وتصعد.. الصعود هنا مختلف عن "الارتقاء"..الذي يأتي تصريفا كمصدر لكلمة "رقي".. السلم الضيق الذي لايقل بشاعة عن المدخل.. ومكتب حكومي الخاص بالتأمين أو المعاشات أو الضرائب أو أي شيء لعين آخر تملكه الحك...

التكليف..الإدارة..7

   مشتول السوق.. في الطريق إلى وحدة "المنير".. 21 – 4 – 20019  -  11:00 صباحا.. بعد انتهاء مقابلتي مع مدير الإدارة لم أفهم جديا مالذي حدث.. تحول الرجل فجأة لشخص آخر..غير ذلك الذي كان يعدني بالجنة ونعيمها.. قال لي في صرامة: كفاية دلع بقى يادكتور..انت اتدلعت كتير..وجه وقت الشغل.. ثم أردف قائلا: هتروح وحدة "المُنيَّر".."بضم الميم وتشديد الياء..وإن كان أهلها ينطقونها بكسر الميم أيضا"..وحدة جديدة ونضيفة..وهاتدلع هناك برضه..! لم أفهم الحقيقة أي أنواع الدلع تلك التي يتمنن بها علي.. لم أطلبها..ولم أنلها أصلا.. يبدو أن هناك مفهوما آخر للمعاملة هنا.. خرجت من الإدارة..وبشكل أعجز عن فهمه مرة أخرى..قررت أن أذهب لهذه الوحدة.. ربما أجد سبيلا للفهم هناك.. *-*-* بلدة أخرى من تلك البلدان التي تحركت على طريق شبه الحداثة-العشوائية.. عبرت من كونها عزبة إلى قرية ولم تصل بعد إلى مفهوم البلدة.. لن أجد بها مطعما..وإن كنت ساجد بها محلا لبيع الطعام الجاهز البسيط..فول وطعمية وباذنجان مخلل.. بالتأكيد لن أجد فيها فرعا من فروع حاتي "محل كباب وكفتة" مثلا..أو...

التكليف..الإدارة..6

مشتول السوق.. مكتب الصحة.. 21 – 4 – 2009   -  10:00 صباحا.. عندما وصلت المدينة/القرية..لم أكن أتوقع شيئا جديدا.. سأصعد..سأجلس في ضوء الشمس قليلا..في الشرفة..سأقرأ بعض الشيء في الكتاب بين يدي.. سألقي نظرة لا مبالية على الذين يجلسون أيضا بلا عمل فعلي.. حاولت في اليوم السابق..واليوم الذي يسبقه..والذي يسبقه..أن أتواصل مع الطبيب الذي هنا.. في غرفة جانبية ضيقة نسبية..تقع غرفة الكشف الرئيسية.. الذين يأتون غالبا..أمهات..من المدينة/القرية..بأطفال بؤساء..يلتحفون بأي شيء كما اتفق.. ربما لصرف علبة مضاد حيوي..أو أقراص للديدان.. أو أي شيء يستنفعون به من خلف الحكومة –مصاصة الدماء- مقابل الجنيه.. في ذلك الوقت..كان مابداخلي اتجاه هؤلاء أنهم مجموعات من الجهلة..لابأس من الاشفاق عليهم.. وإعطائهم مايستحقونه..مع الكثير من الاشمئزاز من الانحدار الذي وصلنا إليه..لدرجة "استخسار" الجنيه.. وقبولهم بأي شيء مقابله.. كنت أحملهم المسؤولية كاملة.. أقول كنت.. لأن بعد هذا بوقت طويل..سأجتهد لأفهم أن هؤلاء القطعان الضالة من البشر..ليسوا مسؤولين عن تردي أوضاعهم بهذا الشكل.. على الأقل..ليس...

عودة جديدة..

عودة مرة أخرى..حيث التوقف الذي دام شهر ونيف.. بسبب الانشغال التام في انتخابات التجديد النصفي لنقابة الأطباء.. والتي اكتسح فيها تيار الاستقلال أغلب النقابات الفرعية.. والنقابة العامة.. الانتخابات التي غيرت وجه النقابة للأبد.. ووجه مصر أيضا.. التاريخ الذي لاينسى: تاريخ تحرير نقابة الأطباء من قبضة الاخوان الدنيئة.. الجمعة..13 ديسمبر..2013.. مبروك لكل أصدقائنا وزملائنا.. وكل مناضل شريف.. وليعينهم الله على هذا الإرث الثقيل..

التكليف..الإدارة..5

مكتب الصحة.. 11 – 4 – 2009  -  11:30 صباحا.. أتى السيد فلان أخيرا.. السيد فلان الذي كان من المفترض أن أقابله منذ يوم الأربعاء.. ثم أتى يوم الخميس..ولم أتحرك فيه من المنزل..ويوم الجمعة..الذي شابه يوم الخميس بلا زيادة أو نقصان سوى أدائي الصلاة بالجامع المجاور للمنزل..والاستماع للهراء المعتاد من خطيبه المفوه.. ثم اليوم..الذي هو يوم عيد.. وصلت في الصباح..في العاشرة تقريبا..سلمت الرجل الورقة..وكتب هو اسمي بدفتر الحضور والانصراف..بعد هراء من نوعية.."كنت فين يادكتور.." و "كان لازم تستلم من يوم الأربعاء اللي فات.."..إلخ.. ثم توقيعي اللطيف بالحضور.. ياه..أخيرا.. لنبدا العمل إذن.. فالوطن لم يعد يحتمل أي تأخير ياصديقي.. *-*-* عندما وصلت الساعة الحادية عشرة والنصف..وانا لم أفعل أي شيء بعد.. بدأت أشك في وجود مؤامرة ما.. في البداية..يقذفونني في هذه البقعة النائية من المحافظة.. ثم يرفضون تحويلي لأي مكان آخر قريب من منزلي.. يقولون لي أنت فداء الوطن.. ثم آتي إلى هنا..ولا أفعل شيئا سوى الجلوس في الشرفة المشمسة.. وأتبادل في بعض الأحيان بعض الحديث الودي الظريف مع...

التكليف..الإدارة..4

مشتول السوق.. مكتب الصحة.. 8 –  4 –  2009  - 12:00 ظهرا.. لم يأت السيد فلان.. أصبح المكتب شبه خاو..إلا من ممرضة ممتلئة أو اثنتين.. تتحدثان فيما بينهما..بينما تعبث واحدة منهما في ميزان الأطفال الموضوع أمامها.. لم يدلف طوال اليوم إلى هذا المكان سوى بعض السيدات مصطحبات بعض الأطفال.. فهمت أن أغلب العاملين في المكان..تمريض..وما يدعونهن بـ "رائدات ريفيات"..كلهن مشاركات في الحملة.. فهمت أنهن يخرجن حاملات الطعوم في الحاويات العازلة المخصصة لذلك.. يدرن في شوارع المدينة..وفق الخريطة المعلقة بالإدارة الصحية..ويعطينها للأطفال.. لا أدري إن كان معهم طبيب أم لا.. أنا لم أسأل بالمناسبة عن أي أطباء يعملون هنا.. لا أدري لماذا.. جلست مستكينا صامتا.. وفي أثناء جلستي..أتى ذلك الطبيب الذي كان يجلس في مكتب مدير الإدارة.. قام بالسلام علي..ثم جلس بجواري.. سألني بلهجة عابرة عن دفعتي..وتاريخ التخرج.. ومرة أخرى السؤال الذي لم أفهمه: إيه اللي جابك من الزقازيق لهنا..؟! طبعا رددت عليه ردود متحفظة مهذبة.. طبيعتي الشخصية تمنعني من التباسط مع شخص مجهول..أو شخص مألوف حتى..إلا بصعوبة با...

التكليف..الإدارة..3

مشتول السوق.. مكتب الصحة.. 8 – 4 – 2009  -  10:00 صباحا.. أتوقف بسيارتي المتهالكة -التي ورثتها عن أبي- أسفل عمارة متوسطة الارتفاع..بنيت حديثا.. ألمح يافطة صغيرة الحجم عن "مكتب الصحة – إدارة مشتول السوق" معلقة في الشرفة الثانية من المبنى.. أرمق ماحولي بنصف اهتمام.. استوديو التصوير..المواجه لمدخل المبنى.. بصور الفتيات اللاتي يمثلن السعادة..بين أيدي أزواجهن اللائي يمثلن الاهتمام.. أرمق الوجوه المكبرة والتي تنظر لي.. بعضها بشفقة..بعضها بسخرية..بعضها يشيح بنظره بعيدا.. هناك من كان يرمقني بنظرة غاضبة..لا أدري لم.. قلت له في سري..أنا آسف..ليس هذا ذنبي حقا.. أنا هنا في خدمة الوطن..!! *-*-* عندما دلفت من الباب..واجهتني لوحة ورقة كبيرة..عن معدلات الانتشار..والوفيات..والمواليد.. ولوحة أخرى عن أم تقوم لإرضاع ابنها..مع تعليمات بكيفية الرضاعة.. ولوحة ثالثة تتحدث عن أشياء لا أفهمها ولا أعيها.. شغل "فاخر" للغاية.. يليق بالنظرية الشهيرة.. أهم من الشغل..تظبيط الشغل..!! *-*-* أبحث عمن يقبل أن يتسلم الورقة التي بها أمر استعبادي هنا.. تشير إلى الممرضة الممتلئة...

التكليف - الإدارة..2

مشتول السوق.. الإدارة الصحية.. 7- 4 – 2009   -  11:30 صباحا.. دلفت إلى مبنى الإدارة.. مبنى حكومي متهالك..من دورين.. بلون أصفر كئيب مترب.. تجد فيه أسلاك متهدلة في كل مكان..لمبات محترقة..أو مكسورة أو متدلية..مكاتب مكدسة في غرف ضيقة سيئة التهوية والإنارة.. ربما تجد مروحة هنا أو هناك..ولوحة معلقة هنا أو هناك.. صورة رئيس الجمهورية تجدها فوقك غالبا..أينما نظرت في أي من هذه المكاتب.. على الممر الداخلي للمبنى..وعلى السلالم..تجد لوحات معلقة..عليها اعلانات ما..وحملات توعية ما.. قديمة قدم المبنى نفسه.. أخرجت الورقة المشؤومة إياها من الملف..ووضعتها في وجه أول من قابلني.. أشار إلى مكتب في آخر الطرقة.. مكتب مدير الإدارة.. *-*-* دلفت للمكتب..ضيق إلى حد ما..ليس مبهرجا بشكل كاف..المكتب الخشبي يحتل ثلثه تقريبا..ومقاعد جلدية..وكنبة كبيرة..تحتل الفراغ المتبقي.. وطبعا الصورة الشهيرة لرئيس الجمهورية.. الرجل الجالس خلف المكتب كان يرتدي سترة ذات عنق مرتفع..كحلية اللون..وجاكت رمادي.. يليق بشعره الأشيب.. كان يتحدث مع شخص آخر أمامه..ربما موظف ما..لابد أنه كان كذلك..بشاربه الصغي...

التكليف - الإدارة..1

الزقازيق.. في الطريق إلى مشتول السوق.. 7 – 4 – 2009  -  10:00  صباحا.. خرجت من بيتي صباحا.. قررت أن أذهب بطريق المواصلات.. وهي عادة لدي..برغم وجود سيارة معي..وهي سيارة قديمة الحقيقة..لكنها تؤدي الغرض.. أذهب في البداية عن طريق المواصلات..لأعرف الطريق بالتحديد..ثم أذهب فيما بعد بالسيارة.. الموقف يقع ضمن مجمع مواقف بجوار الجامعة..ليس بعيدا عن بيتي..ولذلك ذهبت إليه مشيا على الأقدام.. سألت على سيارات مشتول هذه..أخبرني أولاد الحلال –وما أكثرهم- بأن الميكروباصات التي "تقلع" من الموقف باتجاه المدينة..في آخره..لكنني من الممكن أن أنتظر هنا..وأركب في حافلة ميني باص..وهو أمر أكثر راحة الحقيقة.. لم أكذب خبرا.. أنا أساسا لا أريد أن أتحرك من مكاني..فما بالك بالذهاب لآخر الموقف..؟! *-*-* أخيرا..أتت السيارة بعد الانتظار الذي لم يطل.. حظي حسن..قالها أحد أولاد الحلال..الذين يتكاثرون هنا بضراوة..لم يتأخر الميني باص.. ولم يكن مزدحما.. ركبت في مقعد ليس بعيدا عن السائق..وبجوار النافذة..لأرقب الطريق.. فهمت أنه ينتظر هنا قليلا..ليقوم بتحميل بعض الركاب.. وأردت أن أسلي نفسي....

الزقازيق..مديرية الصحة..10

الزقازيق.. مديرية الصحة.. الفترة من 1 – 3 – 2009 إلى 7 –  4 –  2009.. "كلمات مجمعة لعدم وجود سجل دقيق لهذه الأيام" على نصف ورقة بيضاء.. كتب الآتي: السيد الدكتور..مدير الادارة الصحية بـ مشتول السوق.. بعد التحية.. قادم لسيادتكم السيد الدكتور/ احمد صلاح الدين موسى..للعمل طرفكم بوظيفة/ طبيب ريف..اعتبارا من: 7/ 4/2010.. الفئة: الثالثة..التخصص: "كلمة غير واضحة..أعتقد أنها غير متخصص".. ثم بعض الجمل الأخرى التي أعتقد أنها تكملة فقط للمأساة.. توقيع..ثم توقيع آخر..ثم ختم النسر الشهير.. سبق ذلك تسليمي لملفي..ومراجعته من قبل الموظفة المختصة.. ثم سلمتني ورقة نصفية –غير تلك- عليها أمر تسليم لإدارة الرعاية الأساسية في المديرية.. وعندما ذهبت إلى هناك..أعطوني الجواب الأخير الذي حدثتك عنه الأعلى.. في كل خطوة كنت أخطوها..كنت أتسلم ورقة ممهورة بعدة توقيعات..وختم النسر الأعظم..كنت أقوم بتصوير نسختين من هذه الورقة.. لا تدري ياصديقي..ماستأتي به الأيام.. قد يحتاجها موظف ما..يجلس على مكتب ما..في إدارة ما..وقد تنتهي حياتك قبل أن تستطيع أن تستخرجها من أطنان الملفات و...